سوريا بين فراغ الشرعية وإعادة إنتاج السلطة: قراءة في سلوك حكومة الشرع

0
12
الحكومة الانتقالية في سوريا_ الانترنت
أسماء رزوق _ سيريا برس

في اللحظات الانتقالية، لا تُقاس الأنظمة بما تعلنه، بل بما تؤسسه فعليًا من قواعد حكم. وسوريا اليوم تقف في منطقة رمادية حرجة: نظام سقط شكليًا، لكن أنماط حكمه لم تسقط بالكامل، بل تبدو وكأنها تعيد تشكيل نفسها ضمن بنية جديدة، أكثر ضبابية وأقل وضوحًا.

تشير التعيينات الأخيرة داخل مفاصل الإدارة إلى نمط مألوف في تجارب الانتقال الفاشلة: إعادة تدوير النخب بدل تفكيكها. في أدبيات التحول الديمقراطي، يُعتبر تفكيك شبكات المصالح القديمة شرطًا أساسيًا لأي انتقال ناجح، كما حدث في تجارب أوروبا الشرقية بعد انهيار الكتلة السوفييتية. أما الإبقاء عليها أو استبدالها بدوائر ضيقة مغلقة، فيؤدي إلى إنتاج “دولة ظل” تتحكم فعليًا بمسار القرار.

في الحالة السورية، لا يبدو أن هناك سياسة واضحة للعدالة الوظيفية أو المعايير المؤسسية، بل تغلب اعتبارات الولاء والارتباطات غير الشفافة، وهو ما يقوّض الثقة العامة ويعيد إنتاج بنية السلطة بشكلها الريعي.

اقتصاديًا، تعيش البلاد ما يمكن وصفه بـ”اقتصاد البقاء الأدنى”، حيث لم تعد الدولة قادرة على لعب دورها التقليدي كموازن للسوق أو ضامن للحد الأدنى من المعيشة. تآكل القدرة الشرائية، وغياب سياسات الدعم الفعّالة، وانعدام أي خطة تعافٍ اقتصادي واضحة، كلها مؤشرات على أن ما يجري ليس إصلاحًا اقتصاديًا، بل إدارة للأزمة بأدوات قصيرة الأمد.

في تجارب الدول الخارجة من النزاعات، كما في البوسنة أو رواندا، ارتبط الاستقرار السياسي مباشرة بتحسين الظروف المعيشية. أما في سوريا، فإن استمرار الضغط الاقتصادي دون أفق يهدد بتحويل الأزمة من سياسية إلى بنية انفجار اجتماعي مؤجل.

المرحلة الانتقالية بطبيعتها تتطلب أعلى درجات الانفتاح السياسي، باعتبارها لحظة تأسيس لا لحظة احتكار. لكن ما يظهر حتى الآن هو نمط حكم أقرب إلى “المركزية المُعاد إنتاجها”، حيث تُتخذ القرارات الأساسية بعيدًا عن آليات تمثيل حقيقية. هذا الغياب للتشاركية لا يُضعف فقط شرعية القرار، بل يُفقد العملية الانتقالية أحد أهم شروط نجاحها: القبول المجتمعي الواسع. فالدساتير لا تُكتب فقط في النصوص، بل تُبنى عبر توافقات حقيقية تضمن استدامتها.

فرض أنماط عقائدية… خطر تسييس المجال الاجتماعي واحدة من أكثر المؤشرات إثارة للقلق هي محاولات فرض أنماط سلوكية أو قيمية على المجتمع، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. في العلوم السياسية، يُعد هذا المسار مقدمة لتحويل الدولة من إطار تنظيمي إلى فاعل أيديولوجي. التجارب المقارنة تُظهر أن الدول التي حاولت إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية ضيقة، كما في إيران بعد الثورة أو بعض نماذج الحكم العقائدي، واجهت لاحقًا أزمات عميقة في الشرعية والاندماج المجتمعي. الدولة الحديثة، في تعريفها البسيط، هي مساحة حياد تنظيمي، لا أداة فرض قيمي.

يُضاف إلى ذلك إشكالية الشرعية القانونية والسياسية. فقد تستند الحكومة الحالية إلى إطار قانوني مؤقت يمنحها صلاحيات إدارة المرحلة الانتقالية، لكن الشرعية وفق التعريف الكلاسيكي ليست قانونية فقط، بل تقوم على ثلاثة أركان: الشرعية القانونية، والشرعية التقليدية، والشرعية الكاريزمية (أو القبول الشعبي). وفي الحالة السورية، يبدو أن الركن الأضعف هو الشرعية التمثيلية، أي شعور المواطنين بأنهم جزء من عملية اتخاذ القرار. هذا الخلل لا يُعالج بالنصوص، بل ببناء مؤسسات حقيقية تضمن المشاركة والمساءلة.

الملف المندمل بالألم: العدالة الانتقالية يُعد هذا الملف الاختبار الأكثر حساسية لأي مرحلة ما بعد نزاع. لكن المؤشرات الحالية تثير تساؤلات جوهرية: هل العدالة شاملة أم انتقائية؟ هل المؤسسات المنشأة مستقلة أم خاضعة للسلطة التنفيذية؟ هل الهدف كشف الحقيقة أم إعادة صياغتها؟

في تجارب مثل جنوب أفريقيا، شكّلت العدالة الانتقالية منصة للمصالحة الوطنية. أما في حال اختزالها أو تسييسها، فإنها تتحول إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام بدل معالجته.

ما يتشكل اليوم في سوريا ليس مجرد خلل إداري، بل ملامح نموذج حكم قد يستقر لسنوات. وهنا يكمن الخطر الحقيقي: أن تتحول المرحلة الانتقالية من جسر عبور إلى نقطة استقرار لنمط حكم هجين، يجمع بين أدوات قديمة وخطاب جديد. هذا النموذج، إن ترسخ، سيؤدي إلى: إضعاف ثقة المجتمع بالدولة، وتعطيل الاستثمار وإعادة الإعمار، وتكريس الانقسام الاجتماعي والسياسي.

سوريا اليوم لا تعاني فقط من إرث ثقيل، بل من طريقة إدارة هذا الإرث. فالانتقال السياسي ليس إعلانًا، بل عملية معقدة تتطلب: تفكيكًا حقيقيًا لبنى السلطة القديمة، وبناء مؤسسات تشاركية، وضمان حد أدنى من العدالة الاقتصادية، وإطلاق مسار عدالة انتقالية شامل ومستقل.

دون ذلك، فإن ما يجري لن يكون انتقالًا، بل إعادة تموضع للسلطة داخل الفراغ. وفي لحظة تاريخية بهذا الحجم، لا يكفي أن يتغير من يحكم… بل يجب أن تتغير طريقة الحكم نفسها.

أسماء رزوق _سيريا برس

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا