ترفة عبد الغفور _ سيريا برس
من تحالفات مكشوفة مع نظام الأسد إلى سلطة أمر واقع تدير الحسكة تحت شعارات قومية.
لم تعد الأسئلة مؤجلة: من خدم القضية الكردية حقا ومن حول آلامها إلى مشروع نفوذ ووصاية؟
ليست مأساة الكرد في سوريا أنهم طالبوا بحقوقهم أو تمسكوا بهويتهم القومية بل أن قضيتهم العادلة تحولت على مدى عقود إلى مجال للاستثمار السياسي والعاطفي من قوى رفعت شعارات التحرر بينما عقدت تفاهمات مع أنظمة لم تتردد في قمع الكرد وحرمانهم من أبسط حقوقهم. وفي قلب هذه المفارقة يقف حزب العمال الكردستاني، الذي نجح في تقديم عبد الله أوجلان إلى قطاعات واسعة من الشارع الكردي بوصفه قائداً تاريخياً ومخلصاً قومياً، رغم أن تاريخ علاقاته وتحالفاته يطرح أسئلة لا يمكن تجاهلها.
فكيف أصبح حليف الأسد خصماً في الذاكرة؟ وكيف غابت هذه التناقضات عن الوعي السياسي الكردي ؟ والأهم: هل تحولت القضية الكردية من مشروع تحرر إلى أداة لفرض وصاية حزبية على مجتمع كامل؟
أوجلان والأسد.. تحالف المصالح الذي لا تمحوه الشعارات
لا يمكن فهم صعود حزب العمال الكردستاني في سوريا بمعزل عن علاقته بنظام حافظ الأسد. فقد سمحت السلطات السورية لأوجلان وقيادات من الحزب بالإقامة والعمل في سوريا كما أتاح له النظام وفق شهادات ودراسات وتقارير متعددة، استخدام معسكرات ومواقع في سوريا ولبنان الخاضع آنذاك للنفوذ السوري. كل ذلك في سياق الصراع السوري ـ التركي، حين استخدمت دمشق الحزب ورقة ضغط على أنقرة.
أقام أوجلان في سوريا سنوات، وغادرها في تشرين الأول/أكتوبر 1998 بعد توقيع مذكرة أضنة بين سوريا وتركيا وما رافقها من ضغوط وتهديدات تركية. ولا تعني هذه الوقائع أن العلاقة كانت تحالفاً ثابتاً أو متطابقاً في جميع مراحلها لكنها تشير بوضوح إلى تعاون ومصلحة متبادلة بين الطرفين .
لم تكن العلاقة تفصيلاً عابراً، فقد استثمر النظام السوري في القضية الكردية خارج حدودها فيما استفاد الحزب من المساحة التي أتاحها له.
وهنا تبرز المفارقة الأكثر إيلاماً: النظام الذي حرم أعداداً من الكرد السوريين من الجنسية وضيق على هويتهم وحقوقهم وقمع احتجاجاتهم ،كان يوفر في الوقت نفسه مساحة لحزب أصبح لاحقاً صاحب نفوذ واسع في مناطقهم.
ففي أحداث القامشلي عام 2004، اندلعت أعمال عنف عقب مباراة لكرة القدم بين مشجعين من القامشلي ومشجعين من دير الزور لتتسع الاحتجاجات في القامشلي ومناطق أخرى. وتدخلت قوات الأمن والجيش مدعومة بشبيحة ومؤيدين للنظام للإيحاء بأن مكونات أخرى شاركت في عملية القمع ليسقط قتلى وجرحى تبعتها اعتقالات واسعة، وتبقى المسؤولية الأساسية عن استخدام القوة والاعتقالات منسوبة إلى أجهزة ونظام الأسد والتي استثمر فيها واستفاد منها حزب العمال الكردستاني لاحقا في أدلجة الكرد وتبعيتهم .
لكن السؤال الأهم ليس فقط: ماذا فعل نظام الأسد بالكرد؟ بل: كيف يمكن لحزب ارتبطت قيادته تاريخياً بتفاهمات مع ذلك النظام أن يقدم نفسه لاحقاً بوصفه الممثل الأوحد لحقوقهم ومصالحهم؟
إن استدعاء المظلومية التاريخية حق مشروع لكن تحويلها إلى ذاكرة انتقائية تستخدم ضد خصوم سياسيين وتعفى منها قوى أخرى بسبب شعاراتها القومية لا يصنع وعياً وطنياً بل يعيد إنتاج الانقسام.
من الثورة السورية إلى سلطة الأمر الواقع.. كيف تحولت الشعارات إلى احتكار؟
مع اندلاع الثورة السورية بدا أن البلاد أمام فرصة لإعادة بناء العلاقة بين مكوناتها على أساس المواطنة والحقوق المتساوية. غير أن انسحاب مؤسسات النظام من أجزاء واسعة من شمال شرقي سوريا عام 2012 وصعود القوى المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي والمدعوم من منظومة حزب العمال الكردستاني مهدا لنشوء واقع سياسي وعسكري جديد تحت عناوين الإدارة الذاتية والديمقراطية والتعددية، تشكلت مؤسسات مدنية وعسكرية وأمنية متعددة، وأصبحت قوى مرتبطة بهذه المنظومة صاحبة نفوذ حاسم في القرار المحلي. ثم برزت قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ومجلس سوريا الديمقراطية (مسد)وتشكيلات أمنية وعسكرية أخرى لتتسع الفجوة بين الشعارات المعلنة وطبيعة السلطة القائمة على الأرض.
ولم يكن السؤال بالنسبة إلى كثير من السوريين: هل يحق لهذه التشكيلات إدارة هذه المنطقة المتداخلة عرقيا وإثنيا والمشاركة في تقرير مستقبلهاومن يملك القرار الفعلي؟ وهل تمثل هذه المؤسسات المستحدثة جميع سكان المنطقة أم تمنح واجهات متعددة لمنظومة سياسية وعسكرية واحدة؟
ومن الجدير بالذكر ، أن مناطق ومؤسسات للنظام السابق بقيت حاضرة في بعض مناطق الحسكة والقامشلي خلال سنوات طويلة من التفاهمات المتداخلة التي أدارها حزب العمال الكردستاني من خلف الكواليس بما في ذلك المربعات الأمنية التي احتفظ النظام بنفوذه فيها حتى سقوطه فلم يخرج الكرد لإسقاط تمثال او (قارمة ) لمؤسسة حكومية وبقيت رموز البعث والنظام حاضرة حتى سقوطه فكيف يمكن إقناع الناس بأن مشروعاً يدعي رفضا كاملا لنظام الأسد ببعثه في العلن بينما الترتيبات والتفاهمات تطبخ في الخفاء .
نموذج الإدارة الذاتية بعد سيطرة منظومة حزب العمال الكردستاني.. من وعود التعددية إلى خراب المنطقة
إن جميع التشكيلات الكردية التي ظهرت بعد تمدد منظومة حزب العمال الكردستاني وسيطرتها الفعلية أو إدارتها للمنطقة من وراء الكواليس، قدمت نموذجاً سيئاً في إدارة شمال شرقي سوريا ولا سيما محافظة الحسكة فبدلاً من بناء مؤسسات جامعة وشفافة تحولت السلطة إلى منظومة احتكار سياسي وأمني واقتصادي، تفرض قراراتها على السكان وتتعامل مع موارد المنطقة باعتبارها ملكاً للجهة المسيطرة لا حقاً عاماً لجميع أبنائها.
وتتزايد الاتهامات بشأن الاستيلاء على مقدرات محافظة الحسكة، والتحكم بعائدات النفط والغاز والثروات الزراعية والاقتصادية، وغياب الشفافية في إدارة هذه الموارد وتوزيعها. كما ارتبطت هذه المرحلة بحفر الأنفاق والتحصينات، وتوسيع البنية العسكرية والأمنية، على حساب التنمية والخدمات وإعادة إعمار المدن والقرى التي أنهكتها الحرب ولم تقتصر الانتهاكات على مكون بعينه بل طالت مكونات المنطقة كلها بما فيها الكرد أنفسهم، ولا سيما كل من عارض سياسات المنظومة أو رفض الخضوع لخطابها الحزبي. فقد تعرض معارضون وناشطون ووجهاء وخصوم سياسيون من الكرد والعرب والسريان والآشوريين وغيرهم، لضغوط واعتقالات وتضييق واتهامات فيما جرى التعامل مع الاختلاف السياسي بوصفه تهديداً أمنياً أو خيانة قومية.
وهكذا تحولت المنطقة، التي كان يفترض أن تكون نموذجاً للتعايش والإدارة المحلية إلى مساحة من الخراب وتراجع الخدمات وتآكل الثقة وتراكم الأحقاد والكراهية بين مكوناتها فحين تدار الثروات بعيداً عن الرقابة وتفرض سلطة الأمر الواقع بالقوة ويقصى المختلفون فهنا يصبح الحديث عن الديمقراطية والتعددية مجرد غطاء لواقع يناقضها. ولا يمكن تبرير هذه الممارسات بحجة مواجهة تنظيم الدولة أو التصدي لتركيا أو حماية الحقوق الكردية. فمحاربة الإرهاب لا تمنح أي جهة حصانة من المحاسبة، والتهديدات الخارجية لا تبرر قمع المجتمع من الداخل كما أن الدفاع عن الحقوق الكردية لا يبرر مصادرة حقوق العرب والسريان والآشوريين والأرمن ولا اضطهاد الكرد المخالفين للسياسة الحزبية.
إن ما جرى في الحسكة ومناطق شمال شرقي سوريا لا ينبغي أن يقاس بالشعارات بل بالنتائج: هل تحسنت حياة السكان؟ هل حفظت ثرواتهم؟ هل توسعت الحريات؟ هل أصبح القضاء مستقلاً؟ وهل شعر جميع المكونات بأنهم شركاء متساوون؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تكشف الفجوة بين الخطاب المعلن والممارسة الفعلية.

العلم والهوية.. حين تصبح الرموز الحزبية امتحاناً للولاء
من أكثر المفارقات إثارة للنقاش أن بعض الخطابات القومية الكردية تنتقد رفع العلم التركي في مناطق سورية وتتعامل معه باعتباره دليلاً على الارتهان للخارج بينما تتبنى في الوقت نفسه رموزاً حزبية مرتبطة بحزب العمال الكردستاني ذي الجذور التركية والمصنف منظمة إرهابية لدى تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.فالمقارنة هنا ليست بين شعبين أو هويتين قوميتين بل بين معيارين في الحكم على العلاقة بالخارج.
فتركيا استضافت ملايين السوريين الذين فروا من الحرب والقمع لكن ذلك لا يجعل سياساتها فوق النقد ولا يمنح أي طرف حق مطالبة السوريين بتجاهل تدخلاتها أو مصالحها. وبالمثل فإن رفع علم حزب كردي أو تأييد مشروعه لا يصبح محصناً من النقد لمجرد أنه يرفع شعارات قومية أو يتحدث باسم قضية داخلية . فالسؤال المهم ،هل يخدم الرمز مصالح الناس وحقوقهم أم يتحول إلى أداة لتكريس الولاء الحزبي وإقصاء المختلفين؟
بعيدا عن الرموز فالكرد السوريين ليسوا مطالبين بالتخلي عن هويتهم أو إنكار روابطهم القومية العابرة للحدود لكن من حق السوريين جميعاً أن يسألوا عن حدود استقلال القرار الوطني ومشروعية احتكار التمثيل والفرق بين الدفاع عن الحقوق وإخضاع مجتمع كامل لمشروع سياسي عابر للحدود.
ذاكرة 2004.. من يحاول تحويل جريمة النظام إلى تهمة جماعية؟
من المؤلم أن تتحول أحداث القامشلي عام 2004 بما تحمله من جراح حقيقية في الذاكرة الكردية إلى أساس لتعميم الاتهام على قطاعات واسعة من السوريين أو إلى معيار لتصنيف الناس جماعياً بوصفهم بعثيين أو شركاء في القمع.
فالجرائم لا تورث والمسؤولية لا تحدد بالانتماء القومي أو الجغرافي بل بالفعل والموقف والمشاركة.فليس كل عربي بعثي كما ليس كردي جزءاً من منظومة حزب العمال الكردستاني. ولم يكن السوريون جميعاً شركاء في سياسات النظام السابق فقد دفع كثيرون منهم أثماناً باهظة لمواجهته في السجون والمنافي وتحت القصف والقتل.
والأكثر تناقضاً أن تستحضر جرائم النظام بحق الكرد لإدانة مجتمع بأكمله بينما يجري تجاهل تاريخ علاقة الحزب نفسه بذلك النظام أو تبريرها باعتبارات سياسية.
لإن الذاكرة التي لا ترى إلا جراح جماعتها تتحول بسهولة إلى أداة للعداء أما الذاكرة التي تبحث عن الحقيقة كاملة فتفتح الطريق إلى العدالة والمصالحة فليس المطلوب من الكرد نسيان ما تعرضوا له، بل ألا تتحول معاناتهم إلى مبرر لمعاقبة آخرين لم يرتكبوا تلك الجرائم وألا تصبح المظلومية حصانة سياسية لأي حزب أو قيادة.
هل صادر الحزب القضية الكردية؟ حين يصبح نقد الحزب خيانة
أخطر ما يمكن أن يصيب قضية عادلة هو أن تحتكرها جهة سياسية ثم تجعل الدفاع عنها مرادفاً للدفاع عنها هي. عندها يصبح نقد الحزب خيانة للقومية، ومساءلة قيادته طعناً في الهوية والاعتراض على سياساته استهدافاً للشعب كله وهكذا تحول الكرد بعد عام 2012 من أصحاب حق إلى أتباع ومن شركاء في الثورة السورية إلى رهائن تحت جناح حزب العمال الكردستاني وبالفعل لقد استطاع حزب العمال الكردستاني والمنظومة السياسية والعسكرية المرتبطة به بناء نفوذ واسع عبر شعارات التحرر والكرامة والحقوق القومية لكن لا يجوز اختزال جميع الكرد في موقف واحد فهناك قوى وشخصيات كردية سورية عارضت احتكار القرار وتمسكت باستقلال القضية الكردية عن أجندات حزب العمال الكردستاني ودعت إلى شراكة وطنية أوسع لكن حضورها وتأثيرها في الشارع كان ضئيلا وحورب من الكرد المتحزبين أنفسهم .
هؤلاء القلة المتنورة يرون إن القضية الكردية أكبر من أوجلان وأكبر من حزب العمال الكردستاني وأكبر من قسد ومسد وسائر التشكيلات المرتبطة بهما. إنها قضية مواطنين عاشوا في هذه الأرض ولهم الحق في لغتهم وثقافتهم ومواطنتهم الكاملة بعيداً عن التمييز والإقصاء والوصاية الحزبية وبعيدا عن استنساخ تجربة إقليم شمال العراق .
لماذا لا يمكن استنساخ تجربة إقليم شمال العراق؟ لأن الحسكة ليست نسخة من أربيل
يستحضر نموذج إقليم شمال العراق أحياناً بوصفه دليلاً على إمكان بناء كيان سياسي كردي في سوريا لكن المقارنة لا تستقيم من دون النظر إلى اختلاف الظروف التاريخية والدستورية والجغرافية والسكانية.
فالحسكة ليست منطقة متجانسة قومياً ولا يمكن التعامل معها باعتبارها مساحة مغلقة لجماعة واحدة لإنها محافظة سورية متعددة المكونات ويعيش فيها الكرد والعرب والسريان والآشوريون والأرمن وغيرهم، وتتداخل فيها القرى والبلدات والمصالح والعلاقات الاجتماعية والاقتصاديةلذلك إن أي مشروع يتجاهل هذا التنوع محكوم بإنتاج صراعات جديدة مهما رفع من شعارات الديمقراطية أو الأخوة بين الشعوب ولا يمكن بناء مستقبل مستقر عبر فرض إرادة حزب على جميع السكان كما لا يمكن ضمان الحقوق الكردية من خلال إنكار حقوق الآخرين أو إخضاعهم لسلطة لا يشاركون في صياغة قرارها لذاك فالطريق الأكثر واقعية ليس استنساخ تجربة إقليم آخر بل بناء صيغة سورية تضمن المواطنة المتساوية والتمثيل الحقيقي وحماية الحقوق الثقافية واللغوية وتوزيعاً عادلاً للسلطة والثروة.
من المستفيد من إبقاء الشارع الكردي أسير الوهم والوصاية؟
السؤال الذي ينبغي أن يواجهه الشارع الكردي اليوم ليس ما إذا كان أوجلان رمزاً لدى أنصاره ولا ما إذا كان حزب العمال الكردستاني يمتلك تاريخاً طويلاً من الصراع المسلح بل: ماذا جنت المجتمعات الكردية في سوريا من كل ذلك؟ وهل أصبحت حقوقها أكثر رسوخاً وحياتها أكثر أمناً وقرارها السياسي أكثر استقلالاً؟
إن أي مشروع يدعي تمثيل شعب مطالب بأن يقاس بنتائجه لا بشعاراته فالقوة العسكرية لا تعني بالضرورة قوة المجتمع والسيطرة على المؤسسات لا تعني امتلاك الشرعية ورفع الأعلام والرموز لا يعوض غياب التوافق والتمثيل الحقيقي كما أن التشكيلات العسكرية والأمنية المرتبطة بالمنظومة بما فيها الوحدات الأمنية المعروفة اختصاراً بـHAT وYAT إلى جانب تشكيلات جوانن شورشكر ينبغي أن تخضع للمساءلة العامة عما اقترفته طيلة عقد من الزمن .
والسؤال الأهم: هل يريد الشارع الكردي أن يبقى جمهوراً لمشروع يحدد له أصدقاءه وأعداءه أم يريد أن يكون شريكاً حقيقياً في صناعة مستقبل سوريا؟
إن التحرر الحقيقي يبدأ حين يستطيع المواطن الكردي أن ينتقد أوجلان من دون أن يتهم بالخيانة وأن يعارض حزب العمال الكردستاني من دون تخوينه أو تجريده من هويته وأن يطالب بحقوقه القومية من دون أن يضع نفسه في مواجهة بقية السوريين.
متى تلتقي المصلحة الكردية بالمصلحة السورية؟ حين تنتهي الوصاية ويبدأ التعاقد الوطني
لا مصلحة للكرد السوريين في عزلة سياسية دائمة عن محيطهم ولا مستقبل مستقراً لهم في ظل صراع مفتوح مع بقية مكونات المنطقة.
فالجغرافيا والتاريخ والمصالح الاقتصادية والاجتماعية تجعل مصيرهم مرتبطاً بمصير السوريين جميعاً لذا إن مستقبل الحسكة لا يبنى بإعادة إنتاج صراعات الماضي ولا باستدعاء مظالم حقيقية لتبرير مظالم جديدة ولا باستبدال وصاية بأخرى ..المستقبل يبنى بالاعتراف المتبادل والعدالة والشراكة واحترام التعدد ورفض احتكار التمثيل كما أن السوريون الذين يطالبون بإنهاء آثار الاستبداد لا يملكون حق إنكار الحقوق الكردية كما أن الكرد الذين يطالبون بإنصافهم لا يملكون حق اختزال السوريين الآخرين في صورة البعثي أو العدو القومي.
لقد آن الأوان لفصل القضية الكردية عن الحسابات الحزبية العابرة للحدود وفصل الذاكرة عن التحريض وفصل الهوية عن الولاء السياسي. فلا أوجلان وحده يمثل الكرد ولا قسد وحدها تختصر مستقبلهم ولا أي سلطة تملك حق مصادرة إرادة مجتمع كامل.
إن القضية الكردية ليست رهينة أوجلان كما أن مستقبل الكرد ليس ملكاً لحزب العمال الكردستاني.
إنه مستقبل مواطنون يستحقون أن يعيشوا بكرامة وأن ينالوا حقوقهم كاملة في وطن لا يقصيهم ولا يقصي الآخرين ومن الضروري أن يعرف الكرد السوريين أن مصلحتهم ليست في الارتهان لأجندات عابرة للحدود بل في أن يكونوا مواطنين سوريين أولاً و شركاء متساوين في بناء سوريا موحدة تحفظ هويتهم وحقوقهم ضمن دولة عادلة لجميع أبنائها.
أنا أعتقد إن مسؤولية النخب السياسية الكردية هي مطالبة أكراد سوريا أن يفكروا باستعادة قضيتهم من الوصاية الأوجلانية وأن لا يسمحوا بتحويل مظلوميتهم إلى مشروع نفوذ أو احتكار سياسي. وهذا يعني أن طالبوا بحقوقكم وكونوا شركاء في وطنكم فالقوة الحقيقية ليست في العزلة ولا في التبعية بل في المواطنة والحرية ووحدة سوريا
الكرد السوريون .. متى تبقى قضيتكم رهينة أوجلان وقراركم أسير حزب العمال الكردستاني؟
لقد آن أوان مواجهة الحقيقة فمن يتحالف مع جلادي الأمس (الأسد) لا يحق له احتكار مظلومية ضحاياهم ومن يصادر إرادة شعب لا يحرره رفع الشعارات لذا الأولى أن تستعيدوا قضيتكم من الوصاية الحزبية وأن تفصلوا حقوقكم عن أجندات عابرة للحدود. فالحسكة ليست ملكاً لحزب والكرد ليسوا جنوداً في مشروع أوجلان وسوريا ليست ساحة لتصفية حسابات مع تركيا أو غيرها .
إن أخطر أنواع الاستبداد ذاك الذي يرتدي ثوب القضية ويقنع ضحاياه بأن تحررهم خيانة وأن عبوديتهم وفاء ومن المؤكد إن من يسلم قضيته للآخرين قد يستيقظ يوماً ليجد أن الآخرين يفاوضون على مصيره وهذا ماحدث ويحدث في محافظة الحسكة الآن .
أتكونون حطب محرقة ؟؟