سامر الطه_ سيريا برس
قراءة في نظرية الاختيار والعلاج الواقعي..
في كل مرحلة سياسية جديدة تتكرر ظاهرة تستحق التأمل.
أشخاص كانوا حتى فترة قريبة يرفضون الحاكم.. أو يشككون في كفاءته، أو يحيطونه بعلامات استفهام كثيرة جداً.. يتحول بعضهم بعد فترة إلى مؤيدين له أو متكيفين مع وجوده.. وربما إلى مدافعين عنه في بعض المواقف.
وفي المقابل يبقى آخرون على رفضهم.. بينما يختار فريق ثالث الصمت أو الانسحاب من المشهد أو الاكتفاء بالمراقبة.
فما الذي يحدث؟
هل تتغير قناعات الناس بهذه السرعة؟
أم أن هناك ما هو أعمق من مجرد تبدل في الآراء؟
لفهم هذه الظاهرة قد يكون من المفيد أن ننظر إليها من خلال نظرية الاختيار والعلاج الواقعي التي قدمها الطبيب النفسي الأمريكي (ويليام جلاسر).
يرى جلاسر أن الإنسان لا تحركه الأحداث بقدر ما تحركه حاجاته الأساسية. فكل سلوك يقوم به الإنسان هو محاولة لإشباع واحدة أو أكثر من خمس حاجات فطرية : البقاء.. والانتماء.. والقوة أو الشعور بالقيمة.. والحرية.. والمرح.
هذه الحاجات لا تتغير بتغير الحكومات أو الأنظمة أو الظروف، وإنما تتغير الوسائل التي يعتقد الإنسان أنها ستساعده على إشباعها.
فالذي يرى أن التقرب من السلطة سيحافظ على عمله أو مصدر رزقه.. فهو يسعى إلى إشباع حاجة البقاء.
والذي يحرص على أن يكون جزءاً من التيار المؤيد حتى لا يقصى أو ينبذ اجتماعياً.. فهو يحاول إشباع حاجة الانتماء.
والذي يقترب من السلطة طلباً لمنصب أو نفوذ أو مكانة.. فهو يسعى إلى إشباع حاجة القوة والشعور بالأهمية.
والذي يختار الصمت لأنه يرى أن المواجهة قد تهدد استقرار أسرته أو حياته، فهو أيضاً يتصرف وفق ما يعتقد أنه يحمي حاجاته الأساسية.
وهنا تبدأ الصورة بالاتضاح.
فالناس لا يغيرون مواقفهم دائماً لأن الحاكم أقنعهم.. بل لأنهم اقتنعوا بأن سلوكاً معيناً أصبح في نظرهم، الطريق الأقرب إلى إشباع حاجاتهم.
الحدث الخارجي… والاختيار الداخلي
ثمة فكرة محورية في نظرية الاختيار تستحق التوقف عندها.
يميز وليام جلاسر بين الحدث الخارجي والسلوك الذي يختاره الإنسان استجابةً لذلك الحدث.
فالحدث الخارجي قد يكون قاسياً، وقد يترك آثاراً نفسية عميقة، وقد تستمر تبعاته سنوات طويلة.. لكن جلاسر يرى أن الحدث مهما بلغت قوته، لا يحدد سلوك الإنسان بصورة آلية.. وإنما يضعه أمام واقع جديد.. ثم يبدأ دور الإنسان في اختيار الطريقة التي سيتعامل بها مع هذا الواقع.
لذلك، فإن مسؤولية الإنسان لا تبدأ بعد زوال الظروف، بل تبدأ منذ لحظة استجابته لها. فالظروف قد تفسر جانباً من السلوك، لكنها لا تعفي صاحبها من مسؤوليته عنه.
وبين الحدث الخارجي وردة الفعل توجد مساحة للاختيار، وفي تلك المساحة يتخذ الإنسان السلوك الذي يعتقد، بوعي أو بغير وعي، أنه الأقرب إلى إشباع حاجاته.. حتى وإن كانت خياراته محدودة أو مقيدة بظروف الواقع.
وعندما نسقط هذه الفكرة على العلاقة بين الناس والسلطة، تتضح الصورة أكثر.
فصعود حاكم جديد أو ترسخ سلطة قائمة هو حدث خارجي.
أما تأييد هذه السلطة أو معارضتها أو التكيف معها.. فليس الحدث نفسه بل هو السلوك الذي اختاره الإنسان استجابةً لذلك الحدث.
ولهذا نجد أن أشخاصاً يعيشون في المدينة نفسها وتحت السلطة نفسها ويمرون بالظروف نفسها.. يخرج كل واحد منهم بموقف مختلف.
أحدهم يؤيد.. وآخر يعارض.. وثالث يصمت.. ورابع ينسحب من المشهد كله.
ولو كانت الظروف الخارجية وحدها هي التي تصنع السلوك، لتصرف الجميع بالطريقة نفسها.
لكن اختلاف الاستجابات يكشف أن الإنسان لا يستقبل الواقع بصورة آلية بل يفسره.. ثم يختار السلوك الذي يعتقد أنه سيقوده إلى إشباع حاجاته بأفضل صورة ممكنة.
ومن هنا، فإن التكيف مع الحاكم لا يعني بالضرورة أن الناس أحبوه، كما أن معارضته لا تعني دائماً أنهم أكثر شجاعة.
ففي كثير من الأحيان، لا يكون الاختلاف في المبادئ بقدر ما يكون في الوسائل التي يعتقد كل إنسان أنها تحقق حاجاته الأساسية.
ولهذا تخطئ السلطة عندما تعتقد أنها غيرت قناعات الناس، كما يخطئ الناس عندما يظنون أن مواقفهم تبدلت فجأة.
ففي أحيان كثيرة، ما يتغير ليس المبادئ، بل ترتيب الأولويات.
عندما يشعر الإنسان بأن البقاء مهدد، تصبح حاجته إلى الأمان أكثر إلحاحاً من حاجته إلى الحرية.
وعندما يستعيد شيئاً من الاستقرار، تعود الحرية لتحتل مكانها في سلم الأولويات.
وهكذا، لا تتغير الحاجات، وإنما تتغير الوسائل التي يختارها الإنسان لإشباعها.
ولعل هذه هي الفكرة الأعمق التي يقدمها وليام جلاسر لفهم السلوك الإنساني: لا يمكن فهم المواقف السياسية بالنظر إلى الحاكم وحده، بل ينبغي النظر أيضاً إلى الإنسان، وإلى الحاجة التي يحاول إشباعها من خلال موقفه.
خاتمة
هذا الفهم لا يهدف إلى تبرير تبدل المواقف، ولا إلى إدانة كل من غير موقفه، بل إلى تفسير جانب من السلوك الإنساني كما يراه وليام جلاسر.
فنظرية الاختيار لا تقول إن جميع الخيارات متساوية أخلاقياً، وإنما تقول إن الإنسان هو من يختار السلوك الذي يعتقد أنه سيشبع حاجاته بأفضل صورة.. وهنا تكمن مسؤوليته.
لأن الحاجة قد تكون واحدة عند الجميع، لكن الوسائل التي تشبعها ليست واحدة.
فقد يختار إنسان الحفاظ على مبادئه رغم الخسائر، ويختار آخر التكيف مع السلطة حفاظاً على أمنه أو مصالحه، ويختار ثالث الانسحاب من المشهد كله. والحاجة في الحالات الثلاث قد تكون متشابهة، لكن الاختيار مختلف.
ولهذا، فإن فهم دوافع الناس لا يعني تبرئة خياراتهم، كما أن مساءلة خياراتهم لا تعني تجاهل الظروف التي أحاطت بهم.
إنه مجرد تذكير بأن الإنسان يعيش دائماً في منطقة تقع بين الواقع والحاجة.. وفي تلك المساحة يولد الاختيار.. وتبدأ المسؤولية.
قد يفرض الواقع على الإنسان ظروفه… لكنه لا يستطيع أن يختار عنه الطريقة التي سيواجهها بها.
