مقال تحليلي للباحث : حسن الشاغل
أعده للنشر : سامر طه
ان فكرة الحرب لأجل الاقتصاد فكرة قديمة جداً، والآن في هذا العصر الذي نعيشه برز الدور الاقتصادي بشكل كبير على الساحة الدولية, وأصبح من أهم عوامل قوة الدولة, فسقوط الاتحاد السوفياتي كان أحد أهم أسبابه ضعف اقتصاده. وهناك دول لا تمتلك أي قوة عسكرية مثل ألمانيا واليابان ولكنها دول مؤثرة في السياسة الدولية بفضل قوة اقتصاداتها. فالزمن الذي نعيشه هو زمن الاقتصاد. وأصبح المحرك الأساسي لسياسة الدول, وأصبحت الدول تحرك كافة وسائل السياسة الخارجية لأجل تحقيق منافع اقتصادية.
في ظل تصاعد أهمية موارد الطاقة والتنافس المتزايد بين المصدرين والحاجة والتسابق المستمر لمستوردين موارد الطاقة, أصبحت طرق انابيب الغاز والبترول من أهم القضايا المؤثرة في العلاقات الدولية من أجل تحقيق أمن الطاقة للدول. وتعتبر خطوط الأنابيب من أكفأ وسائل النقل، حيث تنقل كميات كبيرة من المواد بتدفق مستمر و مباشر من المصدر إلى المستهلك.
الاحتياطي السوري لموارد الطاقة:
ان أهم ما يميز سوريا هو موقعها الجيوسياسي بين الدول المنتجة لموارد الطاقة واهمها منطقة الخليج العربي, وبين الدول المستهلكة لموارد الطاقة( تركيا, دول الاتحاد الأوربي). واذا ما تحدثنا عن احتياطات موارد الطاقة في سوريا لرأينا أن ما يميز سوريا أنها تمتلك تنوع كبير في الموارد الطبيعية( بترول, غاز, فوسفات,….الخ) لكن سوريا كاحتياطات مؤكدة لا تمتلك كميات كبيرة من الغاز والبترول, حيث لا يتجاوز احتياطي البترول 2 مليار برميل
أما الإنتاج اليومي قبل عام 2011 كان يصل الى 400 ألف برميل يومياً، وكان يستهلك أكثر من نصف الإنتاج في تلبية الاحتياجات المحلية, وهذا الرقم لا يمثل شيء في حجم الاستهلاك العالمي الذي يقدر يومياً تقريبا ب 90 مليون برميل, أي انها ليست من الدول المهمة على صعيد الاحتياطات او حجم تصدير البترول. في حين انه لا توجد ارقام دقيقة لحجم احتياطي الغاز قبل عام 2010 ولكن يقدر الاحتياطي السوري ب 250 مليون متر مكعب من الغاز .
في حين تتركز أغلب احتياطات النفط في المنطقة الشمالية الشرقية التي تقع الآن تحت سيطرت قوات سورية الديموقراطية ( قسد) ومنذ 2011 لا توجد أرقام رسمية عن انتاج هذه الحقول وما هي الاضرار المادية التي لحقت بها. ولكن تعمل قوات قسد على الاستفادة من هذه الحقول من خلال القيام بعمليات بيع منظمة الى النظام السوري عبر وسطاء من النظام.
في حين ان اكثر احتياطات الغاز تقع في مناطق النظام وخاصة في حمص ( حقل الشاعر) وهو اكبر الحقول السورية, والنظام لا يستفيد من مصادر الغاز التي يملكها لا في تصديرها من اجل تحصيل القطع الأجنبي, ولا في استخدامها كمورد للغاز المستخدم في المنازل او التدفئة, بسبب ان النظام لا يملك القدرة على تسييل الغاز, وهو مضطر الى تصديره كمادة خام ومن ثم إعادة استيراده.
كما أن هناك أحاديث وتوقعات تدور في فلك امتلاك سوريا كميات كبيرة من احتياطات البترول والغاز أمام السواحل السورية, وتدور حولها الكثير من الشكوك, واعتقد انها حجة من النظام السوري لتثبيت نظريته في المؤامرة الكونية على سوريا كما يزعم. واذا ما نظرنا الى شرق المتوسط نجد ان هناك الكثير من الدول المطلة على هذه
الاحتياطات ( تركيا, اليونان, مصر, سوريا, لبنان, جزيرة قبرص الشمالية, جزيرة قبرص الجنوبية, فلسطين المحتلة ) , والمشكلة في هذه المنطقة ان الدول الشاطئية لم تتفق على ترسيم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة من قبل, حيث ان إسرائيل تماطل في رسم الحدود مع سوريا, لبنان و فلسطين, ولا يوجد ترسيم حدود بين إسرائيل ومصر, وبين تركيا واليونان وبين تركيا و قبرص. في حين وقعت كل من اليونان ومصر وقبرص على اتفاقيات ترسيم الحدود المائية, ووقعت أيضا إسرائيل مع جزيرة قبرص الجنوبية اتفاقية ترسيم الحدود المائية. و هذه الإشكالية هي احد اهم الأمور التي تشكك في وقوع احتياطات ضخمة تحت سيطرت الدولة السورية
من خلال النظر الى الموقع الجغرافي التي تتوزع عليه بلوكات مكامن البترول والغاز حسب المسح الجيولوجي نرى ان أجزاء بسيطة من بلوك 3 يقع في المياه الاقتصادية الخالصة السورية, ولكن لا يوجد ترسيم حدودي بين سوريا والدول الأخرى, وكل مواقع الاحتياطات تتواجد ضمن الأراضي الفلسطينية المحتلة, لبنان, مصر, تركيا, قبرص الجنوبية, اليونان ومصر, ولكن حسب كثير من الدراسات والإحصاءات لا يوجد أرقام حقيقية حول كمية الاحتياطي الموجود في هذه المنطقة.
بداية الحكاية
تسعى الدول الاوربية للتخلص من الاحتكار الروسي لسوق الطاقة الأوروبي, حيث دائما ما تهدد روسيا بقطع امدادات الغاز او رفع أسعار موارد الطاقة. ومن هنا تكمن الحكاية, ان دول الاتحاد الأوربي ومن ورائهم الولايات المتحدة الامريكية يريدون الوصول الى الغاز القطري عبر انابيب تمتد من قطر المصدر الرئيسي للغاز, ومن ثم السعودية الأردن وسوريا و وصله مع مشروع تاناب في تركيا الذي سوف يصدر الغاز الى أوروبا.
حرب انابيب الغاز في سورية :
ان الموقع الجيوسياسي لبلد ما له تأثيرات على محيطه الإقليمي والدولي, وهناك عوامل أساسية في صناعة التوازن بين الاعبين الاقليمين والدوليين, مثل العوامل العرقية, الدينية, التاريخية, الاقتصادية, الاجتماعية, والجغرافية. لأجل تحقيق هذا البلد الى مصالحه الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية والسياسية.
خط انابيب الصداقة الاسلامي :
مشروع خط غاز طبيعي يمتد من حقل فاس جنوب غرب ايران, عبر العراق وسوريا والبنان وصولا الى أوروبا. ليمد المستهلكين في أوروبا وسوريا والعراق بالغاز.
مشروع خط انابيب غاز قطر تركيا الاتحاد الأوربي:
يهدف مشروع خط انابيب غاز قطر الى توصيل غاز قطر الى دول الاتحاد الأوربي, عبرا المملكة العربية السعودية, الأردن, سوريا ثم الى تركيا.
في عام 2009 شهدت العاصمة السورية دمشق قمة بين فرنسا وقطر وتركيا مع الأسد, و عرضت هذه الدول على الأسد مشروع تمديد انابيب الغاز عبر الأراضي السورية الى تركيا ومنها الى أوروبا, لكن رفض بشار الأسد العرض لحماية مصالح حلفائه الروسية والإيرانية في سوريا. وبعد سنتن من رفض الأسد مشروع خط انابيب غاز قطر, وقع مع ايران عام 2011 اتفاقية تمديد خط انابيب من ايران مرورا بالعراق الى سوريا , و لبنان لتصديره الى أوروبا. الامر الذي فسره كثير من الباحثين ان التقارب المذهبي الشيعي بين النظاميين كان الدور الأساسي في رفض المشروع القطري رغم تقديم قطر الى الحكومة السورية استثمارات ضخمة وأسعار منخفضة للغاز, وقبول المشروع الإيراني .
ادركت روسيا ان الدول الاوربية تعمل على سياسة تنويع مصادر الغاز للاستغناء عن الغاز الروسي, واصبح التخلص من احتكار الغاز الروسي هدفا استراتيجيا في السياسة الامريكية والاوربية. لذلك تسعى الدول الأوربية الحصول على الغاز القطري اما من خلال أنشاء خط انابيب يربط بين قطر في تركيا. وبالنسبة الى قطر فان سوريا تمثل طريق لنقل الغاز بأسعار رخيصة الى السوق الأوربية, اما الولايات المتحدة تساند انشاء خط انابيب القطري لكونه سيشكل اداة مواجهة وتوازن مع إيران، وسيوفر ايضاً مصادر متعددة للغاز الى أوروبا بعيداً عن التأثير الروسي، كما ان خط انابيب قطر سيوفر لتركيا فرصة لتأمين مصادر متعددة لتلبية حاجاتها من الغاز بعيداً عن روسيا وسيعزز ذلك طموحات تركيا لتكون محطة محورية لنقل الغاز بين آسيا وأوروبا.
هل سوف تقسم سورية بالنظر الى طرق انابيب الطاقة؟
ان مؤشرات التقسيم تظهر في سوريا, فروسيا لن تتنازل عن وجودها في سوريا, وعن قاعدتها البحرية في طرطوس, بسبب ان قاعدة طرطوس هي اخر قاعدة عسكرية تابعة الى روسيا خارج الأراضي الروسية, وقاعدة طرطوس بموقعها في شرق المتوسط تستطيع القوات الروسية القيام بانتشار سريع الى أي منطقة في العالم اذا ما تعرضت مصالحها للخطر, وبسبب ان روسيا أصبحت محاصرة جغرافيا من قبل دول الناتو خاصة بعد دخول دول البلطيق الى حلف الناتو, وارتباط جورجيا بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة الامريكية, و تحكم كل من اليابان ,السويد وتركيا بمضائق بحرية تفصل روسيا عن الموانئ العالمية, لذلك قامت روسيا باحتلام جزيرة القرم التي يتواجد بها احد اهم الموانئ البحرية على البحر الأسود. والولايات المتحدة الامريكية لا تترك روسيا تهدد مناطق النفوذ الأمريكي عبر تواجدها الدائم في سوريا. اذ ان تواجد القوات الروسية في مناطق قريبة من النفوذ الأمريكي سوف يشكل تهديد مستقبلي لمصالحهم. لذلك عملت الولايات المتحدة الامريكية على إقامة قواعد عسكرية في شرق الفرات, وهذه القواعد هي تأكيد على الاهتمام الأمريكي في سوريا, وانشاء هذه القواعد هدفه البقاء لفترات طويلة في شرق سورية
سياسات التهجير والتغير الديموغرافي الذي تنتهجه ايران ونظام الأسد , الذي بدا في حمص عندما أخرجت قوات الأسد مدعومة من ايران وروسيا قوات المعارضة السورية والمدنيين المعارضين للاسد الى الشمال السوري, وفي ريف دمشق الغربي في مدن الزبداني والقصير والغوطة, أخرجت قوات الأسد كافة المدنيين بعد حصار دام سنوات وهجرتهم الى الشمال السوري, ووطنت مكانهم عوائل الميليشيات الشيعية الأفغانية والعراقية والإيرانية التي أتت للقتال الى جانب قوات الأسد. قيام القوات الامريكية بضرب أي قوة تحاول الاقتراب من مراكز التي تسيطر عليها, وخاصة منطقة شرق الفرات ومنطقة التنف, في عام 2018 حاولت قوات روسيا الهجوم على مناطق شرق الفرات فقام الطيران الأمريكي بقصفهم , وفي عان 2017 حولت أيضا قوات إيرانية وقوات تابعة لنظام الأسد الاقتراب من منطقة التنف أيضا قصفتهم الطائرات الامريكية. واهمية منطقة التنف انه نقطة الوصل بين الحدود السورية العراقية والاردنية, واذا كان هناك تقسيم مستقبلا سوف تكون نقطة ترسيم الحدود, لأنه من مصلحة الدول الغربية ان يكون لها حدود مع الأردن من اجل ان تنفذ مشاريع انابيب الغاز والبترول.
اما احتمالية شكل التقسيم, سوف تكون من الحدود السورية مع الأردن من نقطة النتف, البادية السورية مدينة ادلب, بالإضافة الى المناطق التي تسيطر عليها الان القوات الكردية والأمريكية, إضافة الى ان تكون مدينة حلب ضمن المنطقة خارج حكم الأسد, بسبب ان نظام الأسد بعد خروج قوات المعارضة من حلب لما يقوم باي اعمال او طرح مشاريع لإعادة إعمارها على العكس من الاعمال والمشاريع التي طرحها في حمص والشام, ولم يقوم بتوطين الشيعة فيها, وبسبب ان حلب هي اكبر مدينة يعيش فيها السنة في سوريا, فالتعامل مع مدينة حلب كان مختلف تماما عن التعامل مع مدينة حمص والشام, , بالإضافة لوجود مقاتلين المعارضة السورية الان داخل حدود مدينة حلب.
بداية اشكال التقسيم كانت بدخول داعش الى سوريا, و ان دخولهم الى سوريا وسيطرتها على مناطق واسعة من الأراضي السورية كان بسرعة كبيرة وبسهولة, أي ان دخولهم الى سوريا كان مخطط له من قبل اطراف دولية عديدة. كان هناك رغبة كبيرة من الاطراف الدولية لوجود داعش في سوريا. واذا ما حللنا سياسات الدول الإقليمية والدولية حول سوريا في من يريد التقسيم او لا سوف يتبين لدينا هذه ما يلي:
ايران ترفض التقسيم في سوريا لأنه اذا تقسمت سوريا سوف ينتهي الحلم في تنفيذ خط الانابيب, وانتهاء الحلم بالوصول والسيطرة على ميناء مطل على البحر المتوسط, وسوف يقطع التواصل الجغرافي البري مع النظام السوري وحزب الله اللبناني, . وروسيا لا ترغب في التقسيم أيضا, لأنها لا ترغب ان يكون هناك أي تواجد امريكي في سوريا في المستقبل, وبالتقسيم سوف تسطيع أمريكا وحلفائها من تنفيذ خط انابيب قطر تركيا. اما تركيا الان لا تريد ان يكون هناك أي تقسيم في سوريا بسبب سيطرة القوات الكردية على المنطقة التي كانت تسيطر عليها داعش, فأي تقسيم في هذه الظروف, سوف ينتج عنه انشاء دولة كردية في الشمال السوري تهدد الامن التركي مستقبلا, ولمنع تشكل دولة كردية في شمال سوريا استطاعت القوات التركية والجيش السوري الحر السيطرة على مدينة عفرين ومنطقة الباب, والان تحاول السيطرة على منبج وانشاء منطقة امنة في المنطقة الحدودية.
وفي المقابل ان تقسيم سوريا سوف يهيئ الظروف الى إعادة طرح وتنفيذ مشروع التركي الأوربي وهو خط انابيب الغاز القطري . ويحرم ايران من تنفيذ مشروع خط الانابيب الإسلامي , وقطع الطريق البري الجغرافي الذي يصل بين ايران والعراق والنظام السوري وحزب الله. وسوف تتهيأ الأرضية في سورية لإعادة اللاجئين بعد تقسيم سوريا الى دولتين, دولة كما حددناها سابقا, ولها مصالح مع الدول الغربية, ودولة على الساحل السوري تحت حكم نظام الأسد تحفظ المصالح الروسية.
ومن خلال النظر إلى الصراع في سوريا من تلك الزاوية، نجد أن التمسك الروسي بنظام الأسد يحقق مكاسب استراتيجية، تتلخص في قطع الطريق على مشروع نقل الغاز القطري إلى أوروبا عبر الأراضي السورية، ومنع تركيا من الحصول على أية منافع اقتصادية من مرور الغاز القطري عبر أراضيها إلى أوروبا والتي سوق تقلل من الاعتماد التركي على الغاز الروسي والايراني، وان وصول الغاز القطري الى السوق الاوربية سوف يكون ضربة قوية للغاز الروسي والإيراني , وسوف يزيد من حصة الغاز القطري في السوق الاوربية على حساب حصة الغاز الروسي, كما يسمح بقاء الأسد بوصول الغاز الإيراني إلى الموانئ السورية على البحر الأبيض المتوسط، إذ تسعى روسيا لإبرام عقود مع إيران طويلة الأمد، تتمكن من خلالها روسيا من تصدير الغاز الإيراني إلى أوروبا، على غرار العقود التي أبرمتها مع تركمنستان وأذربيجان للحصول على إنتاجها من الغاز بأسعار زهيدة، وإعادة تصديرها بالأسعار العالمية للدول الأوروبية. اما اذا استطاعت أمريكا والدول الغربية بتقسيم سوريا سوف يحصدون كل المنافع الاقتصادية, وسوف يتم ضرب المصالح الروسية في أوروبا.
ولكن هذا يبقى تحليلا للأحداث, ممكن ان يصيب و ان يخطأ, ونحن ك سوريين يجب ان ندرك حجم واهمية موقع سوريا الجيوسياسي, والمطامع الدولية بهذا الموقع.