قال بيير الونسو، المراسل الخاص لصحيفة “ليبيراسيون” الفرنسية، في طهران، إن “لواء فاطميون” الذي أنشأه الحرس الثوري في عام 2013، يقوم بتجنيد مهاجرين شيعة للقتال عن بشار الأسد مقابل المال. يقاتلون حتى الموت بأعداد كبيرة في حربٍ ليست حربهم”.
ولواء فاطميون، هو لواء أنشأه الحرس الثوري الإيراني في عام 2013. ويجمع الشيعة الأفغان، “الهزارة”، الذين يذهبون للقتال في سورية لمساندة بشار الأسد. وأدرجت واشنطن اللواء على قائمة العقوبات في كانون الثاني/يناير، وتُصنِّف “الحرس الثوري الإيراني” كمنظمةً إرهابية.
في أوج الحرب، في عامي 2015 و2016، بلغ عدد المقاتلين، الذين يحملون العلم الأصفر الذي تتوسطه بندقيتان كلاشينكوف وأغصان، حوالي 10000 مقاتل وفقًا لماثيو ماتكسون، وهو خبير في الصراع السوري الذي يحلله على موقعه Historicoblog4 .
ويتذكر “حسين” هذه الفترة جيدًا، ويعتبرها فترةً بعيدةً جدًا حيث يبلغ 23 عامًا من العمر. كان قد وصل لتوه إلى إيران بطريقة غير قانونية، وكانت السلطات تلاحق المتطوعين في كل مكان: “كانوا يبحثون عن الأفغان حتى في المصانع. وحتى بين القتلة في السجن! وكانوا يعِدونهم بالحرية إذا ذهبوا إلى سورية”.
ويتابع “في أحد الأيام، أوقفتني الشرطة. قالوا لي: “إذا ذهبت إلى الحرب في سورية، فسوف نعطيك مالًا، ثم أوراقًا ثبوتية، وعملا”. ورفض، حيث فكَّر بعائلته التي بقيت في أفغانستان.
ذهب كثيرون آخرون إلى سورية بالإكراه، أو لأسباب مالية على أقل تقدير، أكثر من كونها قناعة أيديولوجية. لقد اخترع النظام الإيراني رواية سياسية دينية لتبرير دعمه الباهظ للغاية لديكتاتورية الأسد. بحيث يكون هدف تدخلهم هو فقط الدفاع عن الأماكن المقدسة للشيعة، وخاصة ضريح السيدة زينب حوالي دمشق.
يُطلق على المقاتلين الذين جندهم الحرس الثوري، وهو الحرس الإمبراطوري الذي تولى هذه السياسة الاستراتيجية لإيران، إسم “مدافعي الحرم”، وهم يضحون بأنفسهم من أجل موتى.
وقال أفغاني طاعناً في السن يعمل في مطعم بطهران “لا ينخدع أحد بهذا المصطلح الذهاب إلى سورية، لقد عشنا في أفغانستان وغادرنا بسبب الحرب. إن كان علينا القتال، فسيكون ذلك في أفغانستان، وليس في سوريا”.
وكان هناك شابان، يجلسان سوياً، لا يبدو أنهما يُؤمنان بذلك أيضًا، مع أنهما ذهبا إلى سورية مرتين في عام 2016: “ذهبنا لزيارة عمتنا زينب، لقد نمنا في منزلها”، هذا ما أدلى به ذو العيون الكستنائية الفاتحة. لم يريدا أن يتفوها بكلمةٍ عما فعلوه هناك، وبالكاد وصفوا كيف دخلوا اللواء.
أشار أحدهما إلى يمينه: حيث يوجد على مقربةٍ مما أشار ضريح الشاه عبد العظيم، سليل أحد الأئمة الاثني عشر الذين يحتفل بهم الشيعة. وفي هذا المكان وجدوا مكتب التجنيد “في الضريح”، كما أكدّا، وما زال هناك واحد في المدينة، في نهاية أحد الأزقة في الحي. على الحسينية هناك لافتة كبيرة مكتوبٌ عليها “فاطميون”، إلا أنها تبدو مغلقة حاليًا، يجب التقدُّم في باكداشت، وهي مدينة فقيرة جنوب طهران، كما بيَّن الشابان بوجهيهما الموسومة فعلًا.
وظلوا صامتين عن البقية. هناك آخر كان بالكاد أكثر ثرثرة. أثناء تدخينه لسيجارته إلى القطنة، كان يتلفت قلقًا يُمنة ويُسرة. وطلب رؤية بطاقتنا الصحافية، ثم أخرج بطاقة هوية تثبت أنه مُقيم نظامي في إيران. قال إنه زار سورية عدة مرات، وسيعود إلى هناك في اليوم التالي لذاك اليوم. وكانت تلك المعلومة الوحيدة. أطفأ سيجارته ووضع كمامة مكافحة التلوث على فمه، وأغلقه.
يقول ماتيو بوكستون، الذي لاحظ تطورًا على مر السنين: “يستخدم الإيرانيون الأفغانَ كطُعمِ المدفع. يمتلك لواء “فاطميون” أسلحة ثقيلة منذ عام 2016، تتضمن عربات مدرعة T-72 و T-90 روسية الصنع”.
ويختلف المبلغ الذي تدفعه الميليشيات وفقًا للتقديرات. وتحدث المتحدث الإيراني باسم اللواء عن 2000 قتيل في العام الماضي.
وأحصى علي آلفونه، الباحث في مركز بحثي في واشنطن، 905 جنازة في إيران لأفغان قُتلوا في سورية، وهو رقمٌ لم يأخذ في الاعتبار الجثث المنسية في ساحة القتال، ولا السجناء، أو المختفين.
تُكرِّم ايران بعض الجثث التي تُعاد إلى الوطن. وفي بهشت زهرة، المقبرة الكبيرة في طهران، يمتلك الفاطميون مربعهم، بين الصحافيين الذين لقوا حتفهم في تحطم إحدى الطائرات والنواب الذين قُتِلوا خلال الهجوم الذي شنه تنظيم “داعش” على البرلمان في يونيو 2017. خمسون قبراً، تخضع لسينوغرافيا صارمة. تحمل نقش “مدافعي الحرم”. وتُنقش صورة المتوفى على الرخام الأسود، واسم أو عبارة “شهيد مجهول”. ويحكي تاريخا الميلاد والوفاة قصة المعارك في سورية وقسوتها. توفي علي رضا رحيمي في حمص في 23 تشرين الثاني 2015 وفي صورته، يبدو وكأنه صبي عمره 17 سنة.
يوم الخميس، هرعت كل عائلة إلى زيارة ميِّتها، الابن في كثير من الأحيان، والأخ في بعضها.
تحدث رجل عجوز يرتدي “السلوار كاميز”، الزي الأفغاني التقليدي، ويحمل كرسياً قابلا للطي أسفل ذراعه ، وجاء إلى زيارة قبر ابنه الذي قتل العام الماضي في حمص، وتم تجنيده في إيران “دعتنا السلطات إلى هنا، لقد منحونا جواز سفر ووعدونا بالسكن. ونحن لا نزال ننتظر”. لقد ترك ابنه وراءه ثلاثة أطفال صغار يتامى، وهم الآن تحت عناية الستيني الذي يبدو أنه أكبر من هذا العمر بعشر سنوات. وبالكاد يُلبِّي المعاش الذي يتقاضاه (170 يورو) احتياجات العائلة المجموع شتاتها. واستشاط غضب الشيخ الكبير قائلًا: “كان ابني انتحاريا. لقد أجبره الجيش السوري على ذلك. قاموا بتحزيمه بقنبلة”. وكرر المصطلح عدة مرات باللغة العربية “انتحاري”.
وفاجأ هذا القول العديد من الخبراء الذين تمت مقابلتهم. فيليب سميث، الذي يعمل على الميليشيات الشيعية في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، “لم يسمع أبدًا بأن (لواء فاطميون) يجند انتحاريين”.
ويدّعي ماتيو بوكستون أنه لم يسبق له أن رأى ذلك لدى الفاطميين في سورية. أما بالنسبة للرجل المسن، فهو متيقن بذلك؛ لقد رأى جثة ابنه المُتجزِّأة عند دفنه، حيث كان الكثير من الحرس الثوري حاضرين.
المصدر: العربية نت

















