ترفة عبد الغفور _ سيريا برس
حادثة جديدة تعيد إلى الواجهة ملفات القتل والاعتقال والانتهاكات، وتعود بالذاكرة الحسكاوية لتطرح سؤالا أكثر إلحاحا: هل تستطيع الدولة فرض العدالة على الجميع قبل أن يتحول غيابها إلى وقود لصراع ثأر مفتوح؟
لم تكن حادثة أمس في مدينة الحسكة مجرد حادث أمني عابر في نظر كثير من أبناء المحافظة. فالاضطرابات التي اندلعت على خلفية قضية ثأر وما تبعها من توتر وإطلاق نار وتهديدات في عدد من الأحياء، أعادت إلى السطح واحدة من أكثر القضايا حساسية في محافظة الحسكة: ماذا يحدث عندما تبقى جرائم الماضي بلا محاسبة، وعندما يشعر الضحايا أن الدولة لم تستعد بعد قدرتها على حمايتهم وإنصافهم؟
وبحسب روايات محلية متداولة جاءت الحادثة على خلفية مقتل أحد عناصر الشبيبة الثورية، وكان قد اتهم من قبل ذوي ضحايا عرب بالمسؤولية عن قتل مدنيين من أبناء قبيلة البكارة في حادثة وقعت عام 2024. وعلى أعقاب ذلك أعلنت الجهات الحكومية متابعة القضية وتحديد هوية المتهم وملاحقته، قبل أن تتوتر الأوضاع عقب تحرك مجموعات مرتبطة بميليشيا (الشبيبة الثورية) وسط حديث عن إطلاق نار وتهديدات طالت أحياء في القسم الغربي من المدينة.
ولا تزال تفاصيل حادثة اليوم بحاجة إلى توثيق رسمي شامل يحدد المسؤوليات بدقة لكن دلالتها السياسية والاجتماعية تتجاوز تفاصيلها المباشرة. فالمشكلة التي تواجه الحسكة اليوم ليست في حادثة قتل واحدة، وإنما في تراكم طويل من ملفات الدم التي لم تجد طريقها للقضاء.
جراح لم تغلق
على مدى سنوات شهدت مناطق محافظة الحسكة اتهامات وانتهاكات متعددة ارتبطت بقوى عسكرية وأمنية تابعة لما يسمى قوات سوريا الديمقراطية، كان من بينها الاعتقال التعسفي والتجنيد القسري وتجنيد الأطفال والقتل وعمليات التهجير ومصادرة الممتلكات.
حيث وثقت منظمات حقوقية ودولية جانبا من هذه الانتهاكات. ففي عام 2024 وثقت هيومن رايتس ووتش استمرار تجنيد الأطفال في محافظة الحسكة مشيرة إلى ارتباط (الشبيبة الثورية) بعمليات تجنيد قاصرين كما شهدت الحسكة نفسها خلال السنوات الماضية احتجاجات لأهالي أطفال قالوا إن أبناءهم اختطفوا بهدف التجنيد.
وفي عام 2026 لم تتوقف الإشكالات المرتبطة بهذه القوات وأذرعها المختلفة التسميات ، فقد تناولت تقارير صحفية إغلاق مقار لها في الحسكة وسط انتقادات سورية لممارساتها وربطت تقارير أخرى اسم التنظيم بحوادث توتر واعتداءات في المحافظة تشمل الاعتقال والقتل والتغييب القسري.
الأكثر خطورة أن ملف الانتهاكات لم يعد محصورا في روايات قديمة. ففي يناير/كانون الثاني 2026، وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ، على أثر صورة سيلفي التقطها القاتل، لمقتل 21 سجينا في عين العرب قرب قرية خروص على يد عنصر يتبع لما يسمى قوات سوريا الديمقراطية، حيث قالت إن عملية القتل وقعت خارج إطار القانون وإنه تم تصفية سجناء مدنيين.
هذه الوقائع وبصرف النظر عن المواقف السياسية منها، تطرح سؤالا لا يمكن للدولة تجاهله: ماذا عن الضحايا؟ وماذا عن عائلاتهم؟ ومتى تبدأ المحاسبة؟
حين تصبح العدالة المؤجلة وقودا للثأر
في المجتمع العشائري، لا تختفي الجريمة من الذاكرة بمجرد مرور الزمن. وقد يعتقد بعض أبناء الضحايا أن دماء ذويهم بقيت بلا قصاص، خصوصا عندما يرون المتهمين يجاهرون بجرائمهم، وهناك من يصفق لهم ويصفهم بالأبطال، وبالرغم من وجود الأدلة ما زالوا خارج السجون أو بعيدا عن المحاكمة.
وهنا تبدأ أخطر مرحلة. فحين لا يشعر المواطن بأن الدولة قادرة على أخذ حقه، قد تظهر قناعة خطيرة بأن عليه أن يأخذ حقه بنفسه.
فالثأر لا ينتهي. إذ يمكن أن ينتقل من شخص إلى آخر ومن عائلة إلى أخرى ثم يتحول إلى نزاع عشائري أو مناطقي أو قومي ، قبل أن يصبح المجتمع كله أسيرا لدائرة من الدم لا يستطيع أحد تحديد نهايتها.
ولهذا فإن مسؤولية الدولة ليست فقط القبض على الجناة بل منع المجتمع من الوصول إلى اللحظة التي يقرر فيها أفراده أن القانون لم يعد موجودا.
المشكلة ليست في الكرد بل في الإفلات من العقاب
المشكلة ليست مع المكون الكردي ولا يجوز تحميل الكرد السوريين مسؤولية جرائم ارتكبها أفراد أو تنظيمات تتبع للأحزاب أو لقوات سوربا الديمقراطية ومؤيديها. الكرد جزء أصيل من النسيج السوري، وحقوقهم السياسية والثقافية والمدنية يجب أن تكون مصونة مثل أي مكون آخر في سوريا.
المشكلة هي مع أي جهة أو فرد يثبت تورطه في انتهاك حقوق السوريين، أيا كان انتماؤه وقوميته.
وهذا المبدأ يجب أن يكون قاعدة الدولة الجديدة: لا حصانة بسبب القومية ولا حصانة بسبب الانتماء السياسي ولا حصانة بسبب السلاح، ولا حصانة بسبب المشاركة السابقة في الحرب.
فإذا كان هناك كردي أو عربي أو عناصر مسلحة غير مندمجة أو من الشبيبة الثورية أو أي فصيل آخر، ارتكب انتهاكا، فليحاسب. وكذلك إن ارتكب أحد عناصر مؤسسات الدولة الجديدة جريمة فيجب أن يخضع للقانون نفسه.
هذه هي العدالة التي تستطيع أن تمنع محافظة الحسكة من الانزلاق إلى دائرة الثأر.
الدمج وحده لا يكفي
كل هذه الأحداث والتطورات تتزامن مع الوقت الذي تعمل فيه دمشق على تنفيذ مسار دمج مؤسسات ما يسمى الإدارة الذاتية ضمن مؤسسات الدولة السورية. لكن الدمج العسكري والإداري ليس كافيا ولا يستطيع وحده أن يمحو ذاكرة عشر سنوات من عمليات التهجير والاعتقال التعسفي والقتل الممنهج.
فكيف يمكن أن تطلب من عائلة فقدت أحد أفرادها أن تعتبر الماضي منتهياً وتقول لها: (دمج لا ثأر فيه)؟ وكيف يمكن إقناع مجتمع كامل بأن مرحلة جديدة بدأت بينما ملفات الاعتقال والقتل والتهجير لم تفتح بصورة جدية؟
لذلك يرى عديدون أن الدمج الحقيقي لا يعني إدخال السلاح والموارد إلى مؤسسة الدولة فقط وإنما إدخال الجميع تحت سلطة القانون. فالدولة التي تريد بناء جيش موحد تحتاج قبل ذلك إلى معيار موحد للعدالة.
الخطر الأكبر: شعور المكون العربي بأنه خارج حسابات الدولة
في الحسكة يتنامى لدى شريحة من أبناء المكون العربي شعور بأن معاناتهم خلال العشر سنوات الماضية لم تحظ بالاهتمام نفسه الذي تحظى به قضايا أخرى كالنفط والمعابر وغيرها، مما ولد إحساسا بالخذلان بعد إعلان الدمج واقتراب الخلاص من أحلك مرحلة مرت بها المحافظة، فتجاهل الحكومة بنظر الشارع الحسكاوي يعد خطأً استراتيجيا يهدد بناء الثقة بين أبناء المحافظة والحكومة الجديدة التي علقوا عليها آمالا كبيرة.
لذلك فإن السياسة لا تبنى فقط على ما تقوله البيانات الرسمية والوفود والوعود وإنما أيضا على ما يشعر به الناس في الشارع. لذلك عندما يتكرر الحديث بين أبناء المنطقة عن القتل والاعتقال والتهجير ومصادرة الممتلكات من دون أن يروا مسارا واضحا للمحاسبة، فإن الغضب يتراكم، والأخطر أن يتحول من غضب تجاه أفراد أو مؤسسات إلى غضب تجاه مكونات إجتماعية بأكملها. وهنا تبدأ الكارثة.
الدولة أمام فرصة أخيرة قبل أن ينفجر البركان ويصبح الثأر بديلا عن القضاء ما حدث في الحسكة يجب أن يكون جرس إنذار حقيقيا لدمشق، وليس مجرد حادث أمني آخر ينتهي ببيان تهدئة.
المطلوب فتح ملفات الانتهاكات السابقة، وتوثيق الضحايا، والاستماع إلى عائلاتهم، وتحديد المسؤولين، وإحالة من تثبت إدانته إلى القضاء.
وقد شهدت الحسكة نفسها اعتداءات سابقة على مبنى القصر العدلي ما عرقل إعادة تفعيل المنظومة القضائية في المحافظة، في سياق تنفيذ اتفاق دمج مؤسسات قوات سورية الديمقراطية ضمن الدولة السورية.
وهنا تكمن المفارقة: كيف يمكن أن نتحدث عن دولة واحدة بينما لا يزال القضاء نفسه عرضة للضغط أو التعطيل؟
الحسكة لا تحتاج إلى معركة جديدة ولا إلى دائرة ثأر الدم، ولا تحتاج إلى صراعات بل تحتاج إلى شيء أبسط وأصعب في الوقت نفسه: دولة واحدة، وقانون واحد، وعدالة واحدة.
فإذا كانت الدولة قادرة على محاسبة القاتل أيا كان اسمه وانتماؤه، فإنها تستطيع إطفاء نار الثأر. أما إذا استمرت سياسة التأجيل وبقيت ملفات الضحايا معلقة، واستمر شعور قطاعات من المجتمع بأن هناك معايير مختلفة للدم السوري فإن الخطر لن يكون في حادثة اليوم وحدها.
الخطر أن تتحول كل جريمة جديدة إلى حلقة في سلسلة ثأر مؤجلة، وعندها لن يكون الدمج مشروعاً لبناء دولة واحدة، بل مجرد اتفاق فوق جراح لم تلتئم.
لذا، الحسكة اليوم لا تحتاج إلى من ينتصر على خصمه، بل إلى دولة تنتصر للقانون.
وهذا هو الاختبار الحقيقي لهذه المرحلة:
هل ستأخذ الدولة حق الضحية، أم ستترك الضحية تبحث عن حقها بنفسها؟


















