دنيا صغيرة وصحافة بنت كلب!

    0
    50

    قصة: أحمد طلب الناصر

    • –       “والله بصراحة، قلمك نظيف وعباراتك رائعة، وتحليلاتك للوقائع منطقية جداً..”

    قالها “ممدوح الحسني” رئيس تحرير الصحيفة، وهو يزيل (الفلاشة) من حاسوبه المحمول ويعيدها لـ (تحسين الدندل)، وقد انتهى من قراءة مقالتين حديثتين من تأليف الأخير، ثم أردف: “وأنا أتمنى لو أنك تشتغل معنا هون بالجريدة، لكن الكادر عندي مكتمل وزيادة..”. فقاطعه تحسين قائلاً: “أنا بدّي بس أنشر عندكم بالجريدة مقابل استكتاب، وما بدّي وظيفة!”.

    لكن ممدوح شرح له بأن الجريدة لا تعطي استكتاباً لقاء المقالات المنشورة، فإذا أراد تحسين النشر بالمجان، فأهلاً وسهلاً به.

    رجع تحسين بخفّي حنين إلى غرفته في السكن الشبابي وسط مدينة (إسطنبول)، وعاد يراسل من خلال هاتفه المحمول، المواقع الإعلامية، المهتمة بالشأن السوري، علّه يتعثّر بموقع أو اثنين من تلك التي تمنح كتّابها استكتاباً يسدّ من خلاله رمقه وآجار إقامته الحديثة في غرفة صاحبه.

    بعد أن فرغ من إرسال نسخ سيرته الذاتية ونماذج لمقالاته، استلقى تحسين على السرير وراح يشرح لصاحبه(عبد الجوّاد)، الذي استقبله في غرفته وشاركه الهمّ، ما حصل معه اليوم في مكتب ممدوح صاحب جريدة (صوت الأحرار) ورئيس تحريرها، وكذلك ما حصل معه البارحة من محادثته على (الواتس أب) مع (رمزي الكلّاش)مسؤول تحرير موقع (ثورة الرأي) الذي رحّب بكتاباته،بالمجّان أيضاً.

    سأله عبد الجوّاد: “(رمزي الكلّاش) ما غيرو.. هذا اللي كان يكتب بجريدة البعث السورية؟”.. فأجابه تحسين: “إي هو.. و(ممدوح الحسني) اللي كان يشتغل أمين تحرير بجريدة تشرين”..

    نظر الاثنان إلى بعضهما البعض وأطلقا قهقهة ضجّ على أثرها السكن الشبابي بطابقيه الاثنين.

    توقّف عبد الجواد عن الضحك في حين استمر تحسين بإطلاق ضحكات خفيفة ومتقطعة بعد أن رفع جسده عن السرير.. أخرج من جيبه كيساً صغيراً شفافاً، سحب منه سيجارة تبغ (القجق)، وقام بإشعالها، ثم راح ينظر صوب الدخان الكثيف ذو الرائحة الشبيهة برائحة التبن المحروق الذي يخنق كل ذبابة تمر بسحابته..

    بدأت القصة بعد خروج تحسين من زنزانته التي قضى فيها أربع سنوات ونصف.. هرّبه أصحابه إلى “غازي عينتاب” التركية؛ وهناك، راحت المنظمات المدعومة أوروبياً وأمريكياً، ووسائل الإعلام التي تدعمها ذات الجهات التي تدعم المنظمات، تتدافع لترتيب لقاءات ومقابلات مع تحسين والحصول منه على قصته داخل معتقلات الأسد.

    قضى صاحبنا الشهرين الأولين بعينتاب في منزل صاحبه وزميل عمله السابق بوزارة الإعلام السورية (خلدون أبو عنب)، الذي انشقّ وهرب إلى تركيا بعد أربعة أعوام من قيام الثورة هناك، وحينها كان تحسين يقضي عامه الثالث في زنازين المخابرات الجوية بـ(المزة) جراء تقرير كتبه موظّف زميل،للمخابرات، ذكر فيه أن تحسيناً كان يهرب إلى المنزل كلما تمّ طلب الموظفين يوم الجمعة للخروج بمسيرات التأييد، وللتشبيح على المتظاهرين الخارجين من مساجد حيي (كفرسوسة) و(الميدان) الدمشقيان..

    كان(أبو عنب) يدير صحيفة إلكترونية تابعة لحركة “تعايش”، وهي كالعديد غيرها من الجمعيات السورية المنتشرة في تركيا، والتي غالباً ما يُنقش تحت اسمها صفات “مدنية- ديمقراطية- غير ربحية.. إلخ” وبعض الصفات الأخرى المرتبطة بالجوانب الاجتماعية ذات المنحى الأخلاقي والفكري السامي، في مواقعها الرسمية وصفحات تواصلها الاجتماعي؛ ومع مرور الوقت تبيّن بأن أغلبها لا علاقة لها بالمدنية والديموقراطية ولا “اللا ربحية”، بل وليس لها علاقة بالتعايش ولا المواطنة ولا الوطن ولا المواطن ولا أمّه!

    المهم، أنشأ أبو عنب تلك الحركة- الجمعية مع أصحابه في عينتاب، بتمويل أوروبي. وحين طلب تحسين العمل معه ضمن الكادر الإعلامي، اعتذر منه بحجّة أن المنظمة لن تدفع إلا لأعضاء كادر الحركة، التي أغلقت طلبات الانتساب إليها!

    جاءت موافقة السفارة الفرنسية على طلب لجوء قدّمه أبو عنب منذ وصوله إلى تركيا، إلى فرنسا؛ وبعد مغادرته إليها، بقي تحسين وحيداً يتنقّل بين منزل صديقٍ وغرفةِ صاحب، وينشط باحثاً عن عمل ضمن اختصاصه الإعلامي، بيد أنه ظل يصطدم برفض المنظمات والجهات الإعلامية التابعة لمؤسسات المعارضة وكبارات ممثليها.. ذات المنظمات التي تسابقت لإجراء المقابلات معه حين وصل تركيا وعرضها على صفحاتها لضمان استمرار التمويل.

    وخلال بحثه وتقصّيه، سمع صاحبنا بصحيفة يديرها (جميل الطراد)، وهو من الكتّاب المنصفين، حسب المسموعات، فقرر التوجّه إليه وعرض الكتابة بصحيفته الممولة أوروبياً كذلك.

    حين التقاه في مكتبه، رحّب جميل بتحسين خير ترحاب، وطلب له القهوة، وقدّم له (سيجارة) من علبة دخانه الـ (وينستون) الفضية؛ وقبل أن يحتسي الرشفة الثالثة من القهوة، أجابه بشكل صريح ومقتضب: “يا عزيزي.. التمويل واقف عن الصحيفة من أشهر، وما عندنا إمكانية لدفع استكتاب لحدا..”.

    قال جميل هذا الكلام رغم أن الصحيفة لا تزال تصدر بشكل أسبوعي، ونفس الكتّاب لا زالوا يكتبون فيها، ممّن يمثلون (تيّار) السيد جميل..

    بعد مرور أيام قليلة على لقائه الأخير بجميل، ابتهج تحسين لسماعه خبر محطّة إذاعية سوريّة قيد الإقلاع، ستبثّ أخبارها وبرامجها من إسطنبول آخر هذا العام، تموّلها منظمات دولية ذات وزن، ويعمل فيها جهابذة من إعلاميين عرب وسوريين مناهضين لنظام الأسد، في تركيا وخارجها.

    وهذا كان دافع حضوره إلى إسطنبول، لا سيما بعد اتصال عبد الجواد من المدينة موضحاً له بأن القناة لا تزال بحاجة لمعدّي برامج، ومحررين ومقدّمين، وجميع الكوادر التي تحتاجها أية محطة إذاعية؛ وطلب منه المجيء فوراً إلى إسطنبول للتوجّه إلى مقر المحطة.

    عندها، طلب تحسين من عبد الجواد تهيئة لقاء له في تلك المحطة ريثما يصل إلى إسطنبول.

    استقبل عبد الجواد صاحبنا في (أوتوكار) إسطنبول لحظة وصوله، وتوجّها على الفور صوب مقر المحطّة.

     وهما جالسان في (الميترو)، طمّن عبد الجواد صاحبنا بأنه سيحظى بعمل محترم في المحطّة، فمن المؤكد أن بعض المسؤولين عنها والعاملين بها سيتعرّفون مباشرة على تحسين بمجرد رؤيتهم له، كيف لا وهو الذي ساعد الكثيرين منهم في وزارة الإعلام السورية حين كان مسؤولاً فيها بقسم العلاقات العامة لمدة تزيد على ثماني سنوات..

    وصل الاثنان إلى مبنى المحطة، فاستقبلهما موظف الأمن (السيوكرتي) التركي، وشرح له عبد الجواد بأنهما متوجهان لمقابلة عمل في الإذاعة الكائنة بالطابق الثاني من المبنى، لكنه رفض السماح لهما بالصعود قبل الاتصال وإخبار مسؤولي المحطّة من خلال الهاتف الخاص بقاطني المبنى، فطلب منهما الجلوس على المقاعد الموضوعة قرب المصعد، والانتظار ريثما يصله الرد.

    جلس عبد الجواد بينما بقي تحسين واقفاً يفرك يديه ويجهّز نفسه للّقاء واحتضان زملاء وأصدقاء العمل الذين، ربما، سيلتقي بهم داخل المبنى.

    بعد أن أغلق السماعة، تقدّم موظف الأمن صوبهما ليخبرهما أن ينتظرا قليلاً لأن مدير المحطّة خارج المبنى، وسيعود بعد دقائق قليلة.

    مضت دقائق الانتظار طويلةً إلى أن فُتح باب المبنى.. دخل رجلان تصحبهما فتاة في عقدها الثالث من العمر..
    تسمّر تحسين بمكانه فور رؤيته للرجل الذي يسير في المنتصف..كان يعرفه جيداً، إنه (عوّاد القصعة)، زميله في الوزارة حين كان في سوريا قبيل اعتقاله..

    أدار وجهه بسرعة كي لا يلاحظه عوّاد، لكن الأخيركان قد رآه جيداً!

    راح يقترب منه بهدوء حتى وصل عند باب المصعد.. أخذ يتأمل وجه تحسين جيداً، وتحسين يحاول رسم ابتسامة خفيفة مزيفة على شفاهه، لكن رجفة مكسورة أبتْ إلا أن تغطيها..

    أمسك عوّاد بذراعيه وصاح بفرحةٍ مصطنعة: “تحسين! شو عم تعمل هون يا زلمة؟ إيمت طلعت من السجن؟
    أجاب تحسين: من كم شهر.. وأنت، شو جابك لهون؟
    ابتسم كلّ من الرجل والفتاة، بينما أطلق عوّاد قهقهة سريعة أوقفها بسعلة.. سحب يده من ذراع تحسين ثم أجابه: “أنا حالياً مدير إذاعة عربية رح تنطلق بعد أشهر..”، قال عوّاد ثم مدّ يده إلى جيبه وأخرج بطاقة وتابع: “وعلى العموم إن احتجت شي هذا (كرتي).. بس ما جاوبتني.. شو جابك لهون؟

    أجاب تحسين وهو يمد يده لتناول البطاقة: “كنت مع رفيقي عم ندوّر على عنوان شركة، لكن يبدو خربطنا بالبناية.. على كل حال رح أتصل فيك.. سلام”.

    جرّ تحسين صاحبه عبد الجواد من يده إلى خارج المبنى.. أوقفه الأخير ليسأله مستغرباً: “يا رجل..شو ساويت من شوي؟! كنت تقدر تحصّل شغل ما صار لحدا!”.

    سار تحسين ولم ينبس ببنت شفة، وعبد الجواد يلحق به مكرراً السؤال بصيَغٍ مختلفة طيلة الطريق إلى السكن، حتى استسلم ورجاه تحسين نسيان الموضوع وعدم طرح السؤال مرة أخرى..

    بعد يومين من الحادثة، وبُعيد عودته الأخيرة من لقاء ممدوح الحسني الذي أعجب بـ “قلمه النظيف وعباراته الرائعة” واعتذر عن قبول مقالات تحسين لتوقّف الاستكتاب..وبعد أن رفع الأخير جسده عن السرير.. وبعد توقّفه عن قهقهته المتقطّعة التي أطلقها في بداية القصة لحظة حديثه عن ممدوح الحسني ورمزي الكلّاش وعملهما في صحيفتي البعث وتشرين التابعتين للنظام قبل (انشقاقهما).. أكمل تدخين سيجارة (القجق) صاحبة الدخان الخانق..ثم استدار نحو عبد الجواد قائلاً: “لسّا بدّك جواب حول تصرّفي بمبنى المحطّة؟

    أنهى عبد الجواد هو الآخر ضحكته، وهزّ برأسه أن “نعم”، فقال تحسين: “(عوّاد القصعة) هو يلّي كتب فيني التقرير.. وبسببه بقيت بالمخابرات الجوية أربع سنين ونصّ”.

    ترك الرد

    من فضلك ادخل تعليقك
    من فضلك ادخل اسمك هنا