غصون أبو الذهب _ سيريا برس
من أعاجيب الزمان أن تبنى استراتيجيات السلطة على التطبيل والتزمير، وان تعتمد على رجالها المطبلاتية ممن يسبحون بحمد الحكومة آناء الليل وأطراف النهار، يسعون جاهدين لإعادة اجترار الرواية الرسمية مع رشة تبريرات وحفنة من كلمات المبالغة والتمجيد، في هذا المشهد تحارب الأصوات المخالفة الناقدة، ويسود المتملقين المصفقين، بغاية تشكيل الوعي الجمعي عبر الولاء الأعمى للسلطة، بعيداً عن الشفافية وآليات المساءلة.
ثقافة التطبيل
يُطلق مصطلح “التطبيل السياسي” على تضخيم إنجازات السلطة، والمبالغة في الإشادة بالقيادات السياسية والنظام الحاكم، وتجاهل أخطاء الحكومة وإيجاد المبررات لها، من خلال وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، والخطاب الديني في دور العبادة، وكذلك عبرالدوائر المؤسساتية.
يؤثر التطبيل الواعي للسلطة على مسار الحياة السياسية، إذ يؤدي إلى تغييب المراجعة الموضوعية للسياسات العامة في الدولة، وتكريس السلطة دون حسيب أو رقيب، كما يشجع على بقاء النخب الحاكمة دون مساءلة ومحاسبة، الأمر الذي يخلق بيئة خصبة للاستبداد والفساد.
وبمرور الوقت تتفاقم ازمة الثقة بين الحكومة ومواطنيها، حيث يصبح الخطاب السياسي غير متوافق مع الخطط الحكومية غير المنجزة، والوعود الجوفاء التي أفرغت من مضمونها، هذا حتماً يؤدي إلى عزوف عن المشاركة السياسية بسبب تكريس السلطة بيد فئة محددة، ويشيع مشاعر إحباط جماعي وفقدان أمل يقود إلى أزمات وعدم استقرار.
يمتد أثر التطبيل السياسي ليشمل النواحي الاجتماعية والاقتصادية، حينما تكثر المشاريع الوهمية والاتفاقيات غير المجدية، وتصبح الأرقام لغة عبثية، تخلو من مؤشرات واضحة وشفافية، ما يؤدي إلى سياسات اقتصادية غير سليمة، وهذا ينعكس بشكل مباشر على الأوضاع المعيشية للمواطن، ويعزز الانقسام الاجتماعي بين المستفيدين من السلطة عبر الولاء الأعمى وبين بقية أفراد المجتمع.
في ثقافة التطبيل السياسي يهمش المثقفون وأصحاب الفكر الحر البناء، ويمنح الفضاء العام لمطبلي السلطة ومريديها، فتصبح الحقائق ضحية للتمجيد الأعمى والمعلومات المضللة، وتتحول وسائل الإعلام إلى منابر للترويج للحكومة واجنداتها. وتلميع صورة المسؤولين، بينما تُمنع أو تُهمش القضايا التي تمس هموم المواطنين ومعاناتهم.
فنون التطبيل
من السمات المشتركة للمطبلين، الترويج لجهة سياسية معينة أو شخصية قيادية، وتزييف الحقائق أو اجتزائها، واختراع التبريرات غير المنطقية، مع لغة جسد استعراضية، مصحوبة بتلون طبقات صوت انفعالية بقصد استثارة مشاعر وعواطف الجماهير، التي كونت لهم قاعدة شعبية غالباً بسبب نشاطهم عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
يمعن المطبلاتي في التركيز على الشعارات الرنانة، مهاجماً بشراسة الأصوات الناقدة والمعارضة، مستخدماً خطاب الكراهية والتحريض، معتمداً على حماية السلطة والجهل وانعدام الوعي لدى الجماهير.
عبر العصور المطبل للسلطة شخص انتهازي منتفع، لديه رغبة في التقرب من صناع القرار، باحثاً عن مكاسب شخصية وامتيازات مادية ومعنوية أو مناصب سياسية. وربما يطبل البعض نتيجة التعصب الأعمى لجهة ما، أو جراء الجهل بالواقع السياسي وضعف المحاكمة المنطقية لمجريات الأحداث والأمور.
تكمن خطورة “التطبيل السياسي” في تقويض قيم الديمقراطية والعدالة في المجتمع، وقد يكون حجر عثرة في بناء مؤسسات الدولة على أسس متينة، بعيداً عن الفساد وتعويم الفاسدين، يتطلب التصدي له إرادة واعية وجادة تضع مصلحة المجتمع في أعلى هرم الدولة فوق مصالح السلطة والأفراد.
غصون أبو الذهب _ سيريا برس











