كلوب هاوس.. استحالة القسمة على صفر

أنباء سوريا – علاء الدين زيات

مستفيداً بذكاء من مناخات ما صنعه المستجد كوفيد 19، يشتد يوماً بعد آخر عُودُ القادم إلى عالم التواصل الرقمي المستجد أيضاً كلوب هاوس، ليتجاوز بكل ثقة أسلافه من منصات المحادثة، كـ “سكايب” الذي حنَّطته مايكروسوفت منذ استحواذها عليه، أو شبيهه العتيق “بالتوك”، والذي رغم بلوغه من العمر 22 عاماً لكنه لم يحظى بأكثر من 4 ملايين مستخدم في غرف دردشته المتنوعة، في حين يسجل حفيده هذا بعمر سنة ونصف 14 مليون متابع منهم 8 مليون متفاعل. بالرغم من بقاء الدعوة للانضمام إلى كلوب هاوس مقننة باشتراط أن تصلك من مشترك سابق. ولطبقة من حملة آيفون فقط.

البساطة تمنح الجمال ” La simplicity fait la beauté ” هذا المثل الفرنسي الشهير هو ما يمتلكه كلوب هاوس، فهو مساحة دردشة صوتية بسيطة بلا فيديو، من هنا لا يوقفك عن مهامك ولا يحرجك لو كانت غرفتك غير مرتبة وأي لباس ترتدي وبلحية محلوقة أو لا، مساحة أشبه براديو برامج الواقع كل ما عليك أن تختار الموجه (الموضوع) الذي ترغب بالاستماع عنه، وإن رغبت بالمشاركة فعليك رفع يدك بكل تهذيب ليقوم المدير بالسماح لك.

بساطة الواجهة وبساطة الفكرة عنصران مميزان في التطبيق، لكن العنصر الأميز بلا شك هو كوفيد 19 الذي أعطى رزمة من تطبيقات العمل والتواصل والمحاكاة والإدارة الوظيفية فرصة لا تقدر بثمن لتجعل فكرة الرقمنة مفروضة على شعوب العالم بغض النظر عن مستوى البنى التحتية التي تستند اليها مجتمعاتها.

كوفيد الذي قلص مساحات التماس بين الناس دفع بالواقع الافتراضي ليغدو أكثر سطوة، وكلوب هاوس يستثمر هذا الحنين فيفتح للباحثين عن لمسة بشرية “سمعية” مساحات افتراضية مفرطة في حريتها، تتناول الفن والأدب والسياسة والاجتماع، ولتسمع حوارات تبدأ بنكران كروية الأرض وتنتهي بسيناريوهات الصراع الكوني فيما بعد عصر المعلومات. 

وما يهم هنا فعلا سؤال من نوع كيف يمكن التعامل مع مساحة كهذه؟ لا بقصد تأطيرها – نحن أكثر الشعوب حماساً للتأطير- أو الاشتراط عليها (كثير من الدول منعت التطبيق) بل لقياس مدى مساهمة التقنية والعالم الافتراضي في نقلنا من أنسنة طبيعية جوهرية إلى المجتمع السيبراني ونتائج هذا الانتقال المستمر قرابة 50 عاماً على مجمل الجماعات الثقافية التي تداعت جدران خصوصيتها وانشغلت لتساهم في تكوين مجموعات ثقافية شبكية غير دولتية

ربما سيكون الحديث عن مواطنة عالمية بمفهوم شبكي لجماعات عابرة للحدود أقرب بكثير مما نتصور. 

ولكن عودة للسؤال أين نحن هنا؟

بالنسبة لبيئاتنا المحلية، يُحال اليوم مصطلح العوالم الثلاث إلى التقاعد التدريجي – ونحن كنا مسجَلين على لائحة ثالثها- لينوب عنه مصطلح مجتمعات المخاطر والذي بدأ يعنون أحوالنا. نحن بطيبة خاطر تفاءلنا مع علماء الاجتماع الغربيين بإسقاط الرقم ثلاثة عن بلداننا واعتبرنا مجتمع المخاطر لفظا سينمائيا جميلا، يا للخيبة!

مجتمع المخاطر يتناول الحديث عن تلك البنى المحددة بجغرافية ما والتي تفتقر للتعيين على مستوى الهوية والدولة ونموذج البناء الاقتصادي وأيضا الحوكمة، ومع نُذر عقدين من قرننا الحالي لا يبدو عدم التعيين مقتصرا حول ذلك فقط، بل الحال شبيه ببدايات القرن السابق حيث الجغرافيا هي أيضا تصبح خارج التعيين، تُرسم حدود جديدة للعديد من بلدان تصنيفها الحالي مجتمعات مخاطر لا بقلم سايكس، أو بيكو، ولكن بسبب بنية مجتمعات المخاطر ذاتها والتي تسمح لسايكس وبيكو وغيرهما استثمارها.

وإذن، ماذا يمكن لسكان مجتمعات المخاطر منخفضة التعيين تلك – أو بالأدق نحن – أن تساهم في مجمل التراث البشري العالمي حينما تفتح لهم نوافذ التواصل، وحين تتحطم أطر الإغلاق النفسي والإعلامي وامكانية الوصول للمعلومة ضمن هذا العصر المزكوم بالمعلومات؟؟

وربما هنا التناقض الأهم بين رأسمالية القرنين السابقين واليوم، “دعه يعمل دعه يمر” الشعار الثوري المناهض للنظام الإقطاعي يتحول إلى شكل سيبراني يزداد عمقاً، ويحوز فيه الأعلى تأهيلا من جديد الربح الأكبر، وترتفع الى أقصى درجة أهمية المنجَز الفكري الإبداعي، في حين تتحلل أهمية قوة العمل التي تبدو تكراراً روتينياً غير ثوري.

ومع هذا الواقع المتسارع لا بد من مواجهة كبرى تُرفِق مسألة الحريات والديمقراطية السياسية بمسألة ديمقراطية المعلومات، والتي يمكن تبويبها في حقوق من نوع:

  • حق الإنسان في صيانة وحماية حياته الخاصة. 
  • الحق في المعرفة واستخدام المعلومات
  • حق المواطن في توفير ديمقراطية الإعلام

نعم بالرغم من الأتمتة العالية للإنتاج في المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، لم يكن بالإمكان الاستغناء عن قوة العمل لأنها شرط لازم في سلسلة الإنتاج- وفي سلسلة الاستهلاك دون شك – ومنحت الأتمتة فوائد كبيرة في تحسين شروط العمل وزيادة المردود، واليوم الاتجاه الكوني والرقمنة بلا شك سوف تقلص باطراد المشكلات والعذابات المختلفة مما يدفع المجموعات الثقافية لنوع جديد من أدوات التواصل. 

تتحلل الجماعات القديمة ببطء منسحبة بالتدريج من المسرح، وتتشكل الجماعة الثقافية ضمن مفهوم مختلف يتعلق أساساً بالاهتمامات، وهو أوثق بكثير من كل أشكال التجمع التاريخية السابقة.

كلوب هاوس – ضمن عصر المعلومات حيث ما عاد يمكن عزل البنى المحلية ولا الجائحات المرضية ولا مخاطر التلوث البيئي – يكشف أن مدننا منسحبة ورمادية وخارج إطار الزمن، تنخرط في المنصات المفتوحة لتفرِغ جوفها في مساحات حرية مفقودة محليا. وتندب هزائمها محمِّلةً آخرين الجريرة، ومستخدمة شماعة بليدة مثل عبارة “مع الأسف” كمتلازمة فقر معرفي وروحي، أما المواطنة الكونية التي تباشيرها بالكاد تظهر فمن المؤكد أن لا حدود ولا عسف ولا ديكتاتوريات يمكنها أن تصمد طويلا أمام مرورها. لكن على المدن ألا تكون رمادية ولا مدن ملح، بل مدناً ملونة.

بقي فقط العنوان ولأنه في الرياضيات لا يجوز القسمة على صفر، وجب القول أنَّ بقاء المدن رمادية خارج أي تعيين يجعل حصتها – من أي عملية قسمة للمعارف – عدم تعيين أيضا.

علاء الدين زيات _ خاص سيريا برس

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

آخر الأخبار

أفكار وآمال السوريين بين الاغتراب والداخل

اتسعت ابتسامة السوريين ذلك الفجر المفعم برائحة الياسمين وبعبق قلوب الأمهات تناجي أولادها "تحررنا هل من عودة"، دموع انهمرت لساعات حول العالم كغيمة صيف...
مدينة درعا _ المصدر الانترنت

الحرب الثانية في درعا.. الجفاف ونزيف البشر

على كتف بحيرة، أضحت أثرًا بعد عين، ترامت مراكب صغيرة حملت ذكريات المصطافين لسنوات طويلة غير معلومة، واضمحلت المياه إلى أن تلاشت، ثم تحول...
مستشفى تشرين العسكري

مستشفى تشرين .. مصنع شهادات الموت المزورة لآلاف المفقودين السوريين

الصور الصادمة التي شاهدها العالم لآلاف السوريين وهم يبحثون عن ذويهم المعتقلين والمختفين في سجن صيدنايا، بعد سقوط حكم الرئيس السوري المخلوع بشار...

سوريّات في فخ “تطبيقات البث المباشر”..بين دعارة إلكترونية واتجار بالبشر

يستقصي هذا التحقيق تفشي “تطبيقات البث المباشر” داخل سوريا، ووقوع العديد من الفتيات في فخ تلك التطبيقات، ليجدن أنفسهن يمارسن شكلاً من أشكال “الدعارة...

ابتزاز واغتصابٌ وتعذيب.. سوريون محاصرون في مراكز الاحتجاز اللّيبية

يستقصي هذا التحقيق أحوال المحتجزين السوريين في ليبيا خلافاً للقانون الدولي، وانتهاكات حقوق الإنسان داخل مراكز احتجاز المهاجرين، وخاصة تلك التي تتبع “جهاز دعم...

الأكثر قراءة