خطاب السراديب وأقفال جديدة على المجتمع السوري

سيريا برس _ أنباء سوريا

الكاتبة: د. سميرة مبيض

في بلد أرخص مادة فيه هي المخدرات، وأندر الاختصاصات فيه هي الأطباء والعلماء، في بلد يجتاحه الفقر كالطاعون والجائحة الوبائية كورونا كعاصفة رملية تحصد الأجساد المتعبة من ضيق العيش ونقص الرمق، في بلد كل بيت فيه يقطنه ذكر شهيد أو معتقل أو جريح حرب آو مهاجر. في انعكاس مأساة السوريين في هذا الزمان وهذا المكان آخر ما يحتمله الوعي الإنساني الذي اهتدى بالعلم والحقيقة هو خطاب كذب منحرف كخطاب بشار الأسد الأخير والذي تصلح تسميته بخطاب “الأقفال الجديدة على فضاء المجتمع السوري”.

هو نظام الكذب لم يتغير منهجه، لكن يستحق هذا الانحراف المسمى “خطاباً” أن نرفع الغطاء عن أهم اشاراته حول استمرارية نهج التدمير الإنساني للمجتمع السوري من قبل نظام الأسد.

أهم ما ظهر في هذا الخطاب هو تغيير محور العدو، فالنظام الاستبدادي يحتاج باستمرار لخلق العدو ليضمن خضوع الناس له، وبقائه واستمراريته بحجة البطولة والمقاومة ضد “حرب” لن تتوقف يوماً وفق تعبيره المتوافق مع تعبير بقائه “للابد”. 

فلم تعد ورقة محور المقاومة والممانعة ضد اسرائيل التي لطالما استخدم شعاراتها نظام الأسد ورقة ناجعة بل باتت اضحوكة الموالين قبل المعارضين في معرض اي تصريحات تصدر منه حول ذلك، وعلى الاخص اليوم وهو على اعتاب اتفاقية السلام فستصبح اي خطابات في هذا السياق محظورة، ولا بد من خلق “عدو” جديد اذاً وهاهو يرفع الستار عن سيناريو مقاومة “الليبرالية الحديثة” ومعاداة الغرب واغلاق الاقفال على ايديولوجية تشدد يخلقها تحت ناظرنا..نحن السوريون ممن شهدنا اهوال ما انتجه نصف قرن من حكم همجية الاسد لننظر اليوم ما الذي يمكن أن تنتجه هذه الحفرة العميقة التي ضرب بها معول التأسيس في خطابه الاخير في السابع من كانون الاول لعام ٢٠٢٠

يحتاج نظام الاسد الى فزاعة وبعبع ليخيف التابعين له ويهددهم ان لزم الامر، فالاستقرار لا يؤاتي حكم الهمجية. يجب ان يعيش “المواطن” في حالة استنفار دائم، حالة تشغله عن التفكر بحقوقه كإنسان سوي وعن المطالبة بها وعن رفع الصوت لاجلها، تشغله عن انقطاع الخبز والكهرباء والماء ووقود التدفئة وتشغله عن سوء التعليم في مدارس أطفاله وتشغله عن صرير الاسنان الصادر من القبو القابع تحت فرع الامن الملاصق لبيته..حالة ارتعاد من مؤامرة تمنعه ان يلحظ  نهب ماله الخاص والعام من اجهزة مافيا الاسد المسماة زوراً دولة يعيش شخوصها في رفاهية مصدرها فقر الناس والدم والحروب.

هذه الحال القلقة التي تنتج بدورها مجتمعاً ضعيفاً وقلقاً، مجتمع منتج للتشدد والتخلف غير قادر على الانفتاح والبناء الانساني، فالفتنة ستتبع سيناريو العدو وسيتم وسم سوريين بالعملاء والخونة وستدفن الثقة بين الافراد القادرين بتعاضدهم على بناء مجتمع سليم وقوي، وسيفتح باب الاعتقال والقتل بتهمة الانتماء لوهم سماه الاسد “الليبرالية الحديثة” ليغتال به مفهوم الحرية.

باسم وهمه يتمادى للحديث عن تربية الاطفال، في مجتمع ساقه ليصبح ثلثي اطفاله مرميين بالشوارع بمواجهة ذئاب بشرية عدا من قتلوا ببراميله وتحولوا اشلاء متناثرة، يجرؤ باسم وهمه التحدث عن القيم بعد ان أجرم باغتصابات وبانتهاكات انسانية بحق النساء والرجال وجعل من الادمان على المخدرات صفة سائدة بين فئة الشباب وهجر السوريين والسوريات لسوق الرقيق الأبيض والعمل الاسود. لا يتوانى باسم محاربة الوهم ايضاً عن ان يتحدث عن الأسر والعوائل التي شردها في اصقاع العالم فرادى، يجرؤ عن التحدث عن البر بالكبير وكبارنا على طوابير الخبز يذلون وعلى ابواب المشافي يترجون، ويزداد وقاحة بالحديث عن الشريف والفاسد في حين أنه نموذج الفساد والافساد ونظامه نهب مال سوريا والسوريين لخمس عقود ولا زال.

ثم ينافق بالحديث عن التنوع السوري وهو من بين من اغتالوه عامدين متعمدين، ويدعي الدفاع عن الثقافة العربية وهو من وسمها بالتطرف لصالح أعراق وأقحاح وجعل لايران اليد العليا في سوريا ولبنان وعموم بلاد الشام لوأد هذه الثقافة وحامليها والناهضين بها والمدافعين عنها، ويعظ اخيراً بالاعتدال الديني رغم تحالفه الوطيد مع التيارات والمنظمات المتشددة والارهابية منذ عقود ثم يسم المشاركين بالثورة السورية بالملحدين بعد أن وصفهم لعشر سنوات بالتدين والتطرف، كالحاوي  يخرج من قبعته عشرات الارانب البيضاء ويدعي أن كلاً منها نوع ولون مختلف. يندرج ما سبق جميعه من باب توصيف النفاق في هذا الخطاب أما من الناحية المعرفية فلم يرد ما يستحق النقد الجدي بأي حال من الاحوال.

في الحقيقة، نعم، نحن نواجه انهيار اجتماعي: اخلاقي، انساني، سياسي، علمي، صحي وحقوقي نتج عن حكم الاسد وعموم السلطات القمعية ولم يآت محملاً على صواريخ اي وهم عدو خارجي، فلا أعداء للسوريين إلا من يضيق عليهم أقفال التشدد ويحاول اغلاق القمقم من جديد بعد أن تصدعت جدرانه بفعل ثورات الاصوات الشابة التي تدرك قيمتها ومكانها في العالم وتسعى لتعود ببلدانها لركب الانسانية.

فأجدادنا حين بنوا تنوع الحضارات، التي ينكرها الاسد زوراً، بنوها بتصدير المعرفة والتحضر والعلم للعالم اجمع، فاستحقوا الاحترام والريادة وليس كما حقبة الهمجية هذه التي حلت بآرضنا فباتت موسومة بالتطرف والجهل  وصور الجثامين الممزقة تعذيباً والتغني بقطع الرؤوس، وبات السوري خارج ارضه مبدع متفوق وداخلها محاط بالتجهيل والترهيب، في زمن الاسد زمن تهجير وقتل العلماء والمعلمين والمفكرين والباحثين وتعظيم السفهاء والدجالين والمنافقين.

فهل سيغرق السوريون في شعوذات وهم العدو الجديد هذه لخمسين عام أخرى أم ان كفة المتيقظين رجحت ليقظة للتنوير فلا عودة بهم لسراديب معممة بالسواد بل قد ينجحون بإنقاذ من لا زال بظلامها تائهاً.

المصدر: نواة سوريا

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

آخر الأخبار

أفكار وآمال السوريين بين الاغتراب والداخل

اتسعت ابتسامة السوريين ذلك الفجر المفعم برائحة الياسمين وبعبق قلوب الأمهات تناجي أولادها "تحررنا هل من عودة"، دموع انهمرت لساعات حول العالم كغيمة صيف...
مدينة درعا _ المصدر الانترنت

الحرب الثانية في درعا.. الجفاف ونزيف البشر

على كتف بحيرة، أضحت أثرًا بعد عين، ترامت مراكب صغيرة حملت ذكريات المصطافين لسنوات طويلة غير معلومة، واضمحلت المياه إلى أن تلاشت، ثم تحول...
مستشفى تشرين العسكري

مستشفى تشرين .. مصنع شهادات الموت المزورة لآلاف المفقودين السوريين

الصور الصادمة التي شاهدها العالم لآلاف السوريين وهم يبحثون عن ذويهم المعتقلين والمختفين في سجن صيدنايا، بعد سقوط حكم الرئيس السوري المخلوع بشار...

سوريّات في فخ “تطبيقات البث المباشر”..بين دعارة إلكترونية واتجار بالبشر

يستقصي هذا التحقيق تفشي “تطبيقات البث المباشر” داخل سوريا، ووقوع العديد من الفتيات في فخ تلك التطبيقات، ليجدن أنفسهن يمارسن شكلاً من أشكال “الدعارة...

ابتزاز واغتصابٌ وتعذيب.. سوريون محاصرون في مراكز الاحتجاز اللّيبية

يستقصي هذا التحقيق أحوال المحتجزين السوريين في ليبيا خلافاً للقانون الدولي، وانتهاكات حقوق الإنسان داخل مراكز احتجاز المهاجرين، وخاصة تلك التي تتبع “جهاز دعم...

الأكثر قراءة