سامرالطه _ syria press
حكايا الشعوب في قصص التاريخ تروي لنا الهجرات الفردية والجماعية ضمن أراض اللَّه الواسعة قبل أن تغلقها قوانين الدول والجمهوريات والممالك بمفاتيح وثائق السفر (الجوازات) والتي حملت فيما بعد الطابع الطبقي بين الشعوب، حيث أصبح حامل جواز السفر لدولة مثل أميركا أو كندا يجوب العالم كله دون أن يعترضه أحد، بينما مواطن آخر من تصنيفات دول العالم الثالث يحتاج لثروة ونفوذ ليحصل على تأشيرة دخول لتلك الدول.
أنا أنتمي إلى الإنسانية.. أو أنا كوني.. مفهوم بدأ يتبناه البعض من أبناء مجتمعاتنا منذ سنوات، ربما لرغبة داخلية بالعودة إلى زمن ليس ببعيد كثيراً، حيث تقسو الحياة على أحدهم في بغداد يسرقه تعب التفكير فيغفو ويصحى متوجهاً إلى دمشق فلا يرى مبتغاه فيشق طريقه نحو القسطنطينية وربما منها إلى أثينا وبرلين وباريس وروما، أينما وجد ما يصبو إليه استقر، تعامل مع الجميع، أخذ منهم وأعطاهم، احترم وقدر أعرافهم ومعتقداتهم وقوانينهم فما ظلموه
بمعنى آخر تعامل الجميع في هذه الرحلة بأخلاق وقيم ومبادئ الإنسانية، ضمن اطار قانون منفتح غير منغلق، لا يحاسب الفرد على أساس منبته وإنما على مقدار التزامه بالقوانين التي تصون حرية الفرد وتحفظ حقه في العيش فوق هذه البقعة الجغرافية أو مغادرتها متى شاء والعودة لها متى شاء.
لا أختلف مع مفهوم الإنسانية كونه يحمل كل معاني الرقي والأخلاق والقيم والمسؤولية تجاه أنفسنا والآخرين.. ومن لا يحمل تلك الصفات ستزال عنه صفة الإنسانية حتماً، وأعترض على نعته بالحيوان كون الحيوانات أثبتت دائماً أنها تحمل الرحمة بداخلها.
وبالتعريج على قضية اللاجئين وبالأخص السوريين منهم، ومع تعاظم المفاهيم والمصطلحات والقوانين التي تنص على حقوق الإنسان وصون حياته وحريته، وجد قسم كبير من اللاجئين السوريين أنفسهم ضمن سجن كبير محرومين من مغادرة مكان إقامتهم ضمن حدود الدولة ذاتها إلا.. بتأشيرة، وممنوعين من مغادرة الدولة إلى دولة أخرى بسبب عدم وجود من يستقبلهم، وإن حالفهم الحظ وخرجوا فسيحرمون من العودة.. ومحرم عليهم نقل سكنهم من منطقة لأخرى داخل حدود المدينة بغض النظر عن أي ضغوط أو أعباء يمكن أن يتكبدها هذا الإنسان، والمطالب بأن يتحلى بإنسانيته في وقت لا يعامل به كإنسان.
وهنا نتوه داخل زوبعة التناقضات.. حقوق وحقوق مسلوبة، الحريات ومصادرتها، المساواة والتمييز، قبولك كإنسان ورفضك.. وأعود لتستوقفني كلمة أنا كوني وأنتمي إلى هذا الكون (وهل هناك نية لطردنا لكون آخر نرفضه داخلياً لذلك بدأنا نتمسك بكونيتنا) أم (نتيجة النزعة الطبقية والتصنيفات التي باتت تحكم وتتحكم بمصائر الشعوب بتنا ننادي بكونيتنا).
إن مسألة الإنسانية تتلاشى تدريجياً أو تلاشت بالفعل داخل أطر الدكتاتوريات والاستبداد وحتى داخل بعض الدول التي تدعي الديمقراطية، فمفهوم الوطن فوق وقبل كل شيء يجعل من المواطنين أدوات لتحقيق هدف، أما إذا قلبنا المعادلة وقلنا أن المواطن فوق وقبل كل شيء، هنا يصبح من أحد أهداف المواطنين بناء وطن يسوده القانون والحريات.. كما أن مسائل مثل طاعة ولي الأمر وعدم الخروج على الحاكم حولت المواطنين إلى روبوتات تتلقى الأوامر وتنفذها دون اعتراض، وهذا كله يفيد في بناء سلطة وليس في بناء مجتمعات واعية ومنتجة.
وبالذهاب إلى المادة الثانية من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان نجد أن: “لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي السياسي وغير السياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر. وفضلاً عن ذلك لا يجوز التمييز على أساس الوضع السياسي أو القانوني أو الدولي للبلد أو الإقليم الذي ينتمي إليه الشخص، سواء أكان مستقلاً أو موضوعاً تحت الوصاية أو غير متمتع بالحكم الذاتي أم خاضعاً لأي قيد آخر على سيادته”. وبعدها تبدأ التساؤلات : هل الخارجين من ديارهم بسب الجوع والفقر والحرب والقتل على الهوية الباحثين عن حياة كريمة في بلاد اللَّه الواسعة، هم أنفسهم المذكورين في تلك المادة الثانية من الإعلان أم أن ما بين السطور استثناءات لا تقرأها إلا الدول المعنية؟
هل يدفعنا الزمان لنبحث بيننا عن “سبارتكوس” ليقود ثورة العبيد الجدد، لنثبت أن الكون بحاجة حقيقية لمنهج الإنسانية، بغض النظر عن القوانين والنصوص التي بذل الورق والحبر في كتابتها وصياغتها بأكثر مما بذلت الجهود لترجمتها عملياً على هذا الكون.
وهنا نعود لنسأل هل كفة الحقوق والحريات متوازنة في ميزان الإنسانية مقابل كفة سياسة الدول ومصالحها؟