قالت مصادر دبلوماسية تركية أن سدات أونال نائب وزير الخارجية التركي ، ألتقى الممثل الخاص للأمم المتحدة في سورية غير بيدرسون أمس الأول , في انقرة وبحث معه آخر المستجدات في سورية , وأوضحت المصادر أن الجانبين بحثا آخر التطورات في سورية وإدلب ، وموضوع تشكيل اللجنة الدستورية , كما أطلع بيدرسون الجانب التركي على لقاءاته بإيران خلال زيارته الأخيرة إليها الأسبوع الجاري , وكان بيدرسون قد بحث الثلاثاء الماضي ، مع وزير الخارجية الإيراني، آخر المستجدات المتعلقة بالملف السوري ، بحسب بيان للخارجية الإيرانية.
وكان بيدرسون قد تحدث خلال إحاطته لمجلس الأمن الدولي، عن أن الخلاف حول إطلاق اللجنة الدستورية أصبح “بسيطا جدا”، متوقعا إطلاق أعمال اللجنة قبل نهاية سبتمبر/أيلول , وأوضح بيدرسون أن الاتفاق جرى على تعيين رئيسين للجنة الدستورية، أحدهما ممثل عن المعارضة السورية، وقال إن إطلاق اللجنة يجب أن يكون مصحوبا مع تغييرات لها تأثير على أرض الواقع، بما فيها إحراز تقدم في ملف المعتقلين والمغيبين قسرا , وقالت مصادر تركية أن القرار الروسي بوقف إطلاق النار في إدلب ، جاء نتيجة للضغوط التركية، خلال زيارة الرئيس رجب طيب أردوغان الأخيرة لموسكو، وليس تماشيا مع رغبة المبعوث الأممي جير بيدرسون ، الذي طالب من خلال إحاطته لمجلس الأمن، بوقف إطلاق النار والبدء بالعملية السياسية.
ومن المقرر أن يتم وقف إطلاق النار بمجرد البدء بأعمال اللجنة الدستورية التي تحدث بيدرسون عن قرب إطلاقها ؛ حيث سيكون جزءا من إجراءات بناء الثقة التي نص عليها ذات القرار الدولي ، مضافا إليها كل ما جاء في البندين 13 و14 من إيصال المساعدات الإنسانية وإطلاق سراح المعتقلين , وإذا كان وقف إطلاق النار ، الذي أعلنه الروس ، مرتبطا بتحريك العملية السياسية ؛ فهو خطوة بالاتجاه الصحيح ، بشرط تطبيق البنود الواردة في القرار الأممي 2254، التي تنص على وقف إطلاق النار، وإيصال المساعدات الإنسانية إلى المحتاجين، وإطلاق سراح المعتقلين.
أما إذا كان بعيدا عن التحركات السياسية؛ فهو مجرد فرصة لالتقاط الأنفاس، ثم الشروع في المعارك، وهذا يعني المزيد من القصف والقتل والتدمير وتشريد المدنيين , ومن الواضح أن الروس رضخوا للمطلب التركي بوقف إطلاق النار، وأنهم سيستأنفون القتال ومهاجمة مناطق خفض التصعيد بعد فترة لن تطول ، تحت ذريعة محاربة الإرهاب , وتشير بعض المصادر إلى أن وقف القتال لم يكن سوى فرصة إضافية منحتها موسكو لأنقرة ، من أجل قيام الأخيرة بتفكيك “هيئة تحرير الشام” ، الذي يشكل أحد بنود اتفاقية سوتشي ، لكن السؤال الملح هنا، كيف ستتمكن أنقرة بمفردها من حل هذه المعضلة المعقدة دون تعاون دولي ، إذ لا يبدو في الأفق أي أثر لتعاون كهذا
شهدت مناطق ريفي حماة الشمالي وإدلب الجنوبي، حملة عسكرية شنها نظام بشار الأسد بدعم روسي على المنطقة، منذ أبريل/ نيسان الماضي , ويشكل استمرار الروس بدفع نظام الأسد وحلفائه إلى ارتكاب المزيد من الجرائم تجاه المدنيين في مناطق خفض التصعيد شمالي سورية ، يجعل العملية السياسية مجردة من أي معنى، ويدخلها في طريق مسدود، كما جرى على مدى السنوات السابقة في جنيف؛ بسبب مواقف النظام الرافضة لأي تقدم تجاه الحل السياسي، مقابل تعويله على الحل العسكري , وفي تصريح صحفي قال وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو ، إن “اتفاق سوتشي المبرم في 17 سبتمبر 2018 بين روسيا وتركيا، عامل، لكن هناك صعوبات ومشاكل”، وهذه رسالة واضحة بأن الروس باتوا ينظرون إلى اتفاق سوتشي ومسار أستانة بأنهما قد أصبحا من الماضي.
وبات من الواضح ، أن مسار أستانة وصل إلى نهايته، فلا هو قادر على ضبط الأمور عسكريا في مناطق خفض التصعيد، كما تريد أنقرة ، أكبر مثال على ذلك حصار نقاط المراقبة التركية، ولا هو نجح في تأسيس أرضية مناسبة لعملية سياسية في سوريا، كما تريد موسكو، وهذا ما جعل اجتماع أستانة الأخير (رقم 13) بروتوكوليا صرفا ، دون أي أجندة ، خاليا من أي مخرجات على أي صعيد , وسكوت الأمريكان عما يجري في إدلب ، إلا من بعض الخطابات الحماسية في أروقة مجلس الأمن ، يعيد للأذهان اتفاق هلسنكي بين الرئيسين دونالد ترامب وبوتين ، بأنه ما زال قائما ، وأن التنسيق بين الأمريكان والروس مستمر بخطوطه العريضة ، ورغم تأخر الروس وعجزهم عن الحسم العسكري بإدلب ، فإن الوقت ما زال متاحا لهم لحصار المعارضة السورية ومعها تركيا بمساحة ضيقة جدا ، من أجل إضعاف أوراقها التفاوضية.
ويقول مراقبون أن , سيناريوهات إدلب في ظل التهديدات الروسية , تتضمن السيناريو الأول : أن تقوم روسيا بحسم المعركة في إدلب عسكريا عبر اتباع سياسية الأرض المحروقة ، باستخدام أحدث تقنياتها الحربية ، وبذلك ستنتهي من المعارضة السورية بشكل نهائي , أما السيناريو الثاني : فهو استمرار روسيا باتفاق خفض التصعيد ، على أن تقوم بفرض حل سياسي على مقاسها ، من خلال إعادة مؤسسات نظام الأسد إلى المنطقة ، وهو ما يعني فعليا إخراج تركيا من المنطقة وسيطرة نظام الأسد عليها , أما السيناريو الثالث فيقضي بفتح الطرق بين مواقع قوات النظام وطريق حلب ـ دمشق الدولي، الذي هو بالأساس متفق عليه بين روسيا وتركيا ، وعليه ستتم السيطرة على معرة النعمان وسراقب وخان شيخون ، وغيرها من المناطق الواقعة على طول القسم الشمالي من الطريق وصولا إلى مدينة حلب.
وقال مراقبون أن التفاهمات التركية ـ الروسية وقبلها التفاهمات التركية ـ الأمريكية سابقا، كانت لا تسمح بخيار العمل العسكري الواسع، لكن السكوت الأمريكي عما جرى بإدلب في المعارك الأخيرة، يشير إلى رضى وموافقة أمريكية ضمنية عما يحدث، لذلك من المرجح أن يتم الاتفاق على ترتيبات جديدة , من بين تلك الترتيبات فتح الطريقين الدوليين، وبقاء خان شيخون وريف حماة الشمالي تحت سيطرة نظام الأسد ، في مقابل بقاء وسط إدلب وشماليه بيد المعارضة ، وهذا مؤداه حصار المهجرين إلى إدلب من الغوطة وحمص، ومعهم المعارضة السورية ، في مساحة أصغر، من أجل إجبارهم على قبول الأمر الواقع، والرضى بالحل السياسي الذي تراه موسكو.