سيريا برس _ أنباء سوريا
لم يعد خافياً على الإطلاق وجود خلافات، بل وحتى صراعات، بين النظام السوري وحليفه الروسي في إدارة المعركة – حربياً وسياسياً-، ما بين رغبة روسيا الواضحة بإغلاق ملف القضية السورية المرهق والمطاط، وبين الأسد المتمسك بالسلطة رغم كل شيء، حتى أصبح يشكل عبئاً على روسيا التي فقدت الكثير حتى الآن من أجله.
وعلى ما يبدو فإن الأحلام الروسية بتحقيق الأرباح والمصالح بدأ يخبو بعد خمس سنوات من تدخلها في الحرب لصالح الأسد، ولم تعد ترى جدوى من الانتظار لتحقيق هذه الأحلام في المدى القريب.
لطالما التزمت موسكو الصمت، وكعادة النظام بسياسية التعتيم على كل شيء، إلا أن الخلاف واضح وجلي، وتفضيل النظام لحليفه الإيراني على الآخر الروسي واضح للملأ، ومع كل ذلك فالمعادلة غير القابلة للحل بالنسبة لموسكو وللأسد على حد سواء معروفة، وهي باختصار أن الأسد بدون موسكو سيخسر الأرض والمعركة والكرسي، وموسكو بدون الأسد لن تستطيع قطف الثمار التي ترجوها نتيجة تدخلها في سوريا.
فالأمر ما يزال معقدا وعصيا على الفهم، هل تريد موسكو فعلاً التخلي عن الأسد؟.
في أبريل الماضي، كانت الإجابة على هذا السؤال أبسط من الآن، فقد كانت روسيا ترسل إشارات صغيرة، مبطنة لكن واضحة تنبئ عن نفاد صبرها من النظام السوري، وإن لم تكن تبدي هذا الأمر علانية لكن تسريبها لبعض المقالات آنذك (في أبريل المنصرم) مؤشر مهم على الحالة التي وصلت إليها من الحنق، نتيجة رعونة وفساد نظام الأسد وانجراره أكثر فأكثر باتجاه إيران.
لكن الأسد والذي وصلته الرسالة الروسية الملوحة بالتخلي عنه، بالرغم من تبريرات الكرملن بأن موقع وكالة الأنباء الروسية من الممكن أن يكون قد تعرض للاختراق، ورغم حذف المقالات، إلا أن الرسالة وصلت وبدأ الأسد باللعب كي يستطع خلط أوراقه من جديد، والعودة لمراضاة روسيا والسير وفق خططها، التي كان آخرها انصياعه لعقد مؤتمر اللاجئين في دمشق رغماً عن أنفه -مع تحفظي الشديد على هذه المهزلة- لتعود موسكو لمربعها الأول بالسؤال المحظور نظريًا في موسكو: “من يستطيع أن يحل محل الأسد؟ وبالتالي البقاء على دعمه إلى أجل غير مسمى، أو إلى أن تجد الحل الذي يجنبها المزيد من الخسائر، ويضمن مصالحها في سوريا بعد كل ما أنفقته من أجل هذه المصالح.
لكن الصراع الخفي بين روسيا وبين النظام تفاقم في الأسابيع الأخيرة، فرأينا بشكل جلي تباين أجندات الطرفين بشكل كبير، بالتزامن مع تردي الوضع الاقتصادي في سوريا وروسيا على حد سواء نتيجة انخفاض أسعار النفط بالنسبة لموسكو، ولسوريا بسبب العقوبات الدولية وفيروس كورونا المتفشي بشكل كبير خاصة في دمشق.
هذا التباين توضخ برغبة روسيا تجنب المزيد من التصعيد، خاصة مع تركيا، بينما دمشق تريد التوجه بإصرار وشراسة باتجاه المواجهة مع كل من تبقى من ثوار وفصائل في إدلب، متذرعة بالإسلاميين هناك وخاصة جبهة النصرة التي غيرت اسمها.
ويشير الكسندر شوميلين، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في الأكاديمية الروسية للعلوم، إلى أن موسكو تستخدم القنوات الدبلوماسية والقنوات السياسية فقط في هذه المرحلة.
هذا التصريح يشير بالنسبة لي إلى أمرين غاية في الأهمية، أولهما تأكيد الخلاف بين روسيا والنظام، والثاني باعتبار هذا التصريح إشارة واضحة لقرار روسي رسمي بتخفيض العمل العسكري المكلف في سوريا، لكنه في ذات الوقت يوحي أيضاً بنية روسيا الاستمرار بدعم الأسد في الفترة المنظورة القادمة.
تحتاج روسيا اليوم إلى حل سياسي، سواء كان هذا الحل يؤسس لسلام دائم في البلاد ويكون حلاً حقيقياً يرضي الجميع، أو حل وهمي هش، يؤمن وقف إطلاق النار ويوحي بأن القضية السورية انتهت من خلال توقيع تفاهم ما بين النظام والمعارضة- لا أستطيع الآن أن أجزم بحقيقته- رغم ما يرشح من تسريبات عن اتفاقات سرية تجري بين الروس من جهة والمعارضة السورية الرسمية من جهة أخرى، غايتها الوصول ربما إلى حكومة وحدة وطنية تخرج القضية السورية من جدول أعمال الكرملن، وتحول الملف لوزارة الاقتصاد لإبرام عقود إعادة الإعمار والبدء بتنفيذ عقود أخرى وقعتها روسيا مع الأسد خلال السنوات الماضية، وبذلك تكون موسكو أنهت الصراع أمام المجتمع الدولي، وبدأت بجني ثمار دفاعها المستميت عن بشار الأسد وحمايته من السقوط.
الكاتبة : مزن مرشد -“زمان الوصل”