اقتصاد يبتلع النساء: السوريات في تركيا تحت قبضة العنف المالي

0
5
مصنع لإعداد المخلل _ خاص سيريا برس
غصون أبو الذهب _ سيريا برس

 لم تتوقع حنان (35 عامًا) أن تجد نفسها معيلة وحيدة لطفلتها، تعمل في مهن شاقة ومتقلبة بعد أن حُرمت منذ طفولتها من التعليم والعمل بقرار عائلي صارم. فوالدها كان يؤمن بأن «المرأة يكفي أن تتعلم القراءة والكتابة لتسيير شؤون حياتها». وبعد زواجها وانتقالها إلى إسطنبول، ازدادت الضغوط المعيشية، ما دفع زوجها إلى اتخاذ قرار الهجرة إلى ألمانيا عبر طرق التهريب، رحلة كلّفت الأسرة مبلغًا كبيرًا أُجبرت حنان على استدانته من أقاربها.

ومع مغادرته، وجدت نفسها وحيدة في غرفة صغيرة داخل منزل مشترك مع نساء أخريات، تعمل في تنظيف البيوت وورشات الخياطة والمصانع الصغيرة التي تحضّر المونة والأطعمة السورية. ست سنوات من العمل غير الرسمي، ساعات طويلة وأجور زهيدة وغياب تام للحماية القانونية، تزامنت مع ملاحقة الدائنين لها، خاصة بعد أن قطع زوجها تواصله معها تدريجيًا. هكذا تحوّل انتظار لمّ الشمل من أمل مؤجل إلى عبء يومي يثقل حياتها ويعمّق هشاشتها الاقتصادية والاجتماعية.

 قصة حنان تتقاطع مع قصص كثيرات من اللاجئات السوريات في تركيا، اللواتي يتعرضن للعنف الاقتصادي، وهو أحد أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي وفق صندوق الأمم المتحدة للسكان، وأحد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشارًا عالميًا. ويستند هذا العنف إلى معايير وموروثات اجتماعية ترسّخ ثقافة عدم المساواة بين الجنسين، وتقيّد وصول النساء إلى الموارد وتتحكم بها

تحت قبضة العنف المالي

لا يقتصر العنف المالي على التحكم بموارد النساء أو حرمانهن منها، بل يشمل أيضًا منعهن من العمل، والسيطرة على ممتلكاتهن أو إرثهن، ومنعهن من الوصول إلى الخدمات المالية، وفرض ديون عليهن. وتشير تقارير حقوقية إلى أن العنف ضد النساء والفتيات واسع الانتشار في تركيا، بما يشمل أنماطًا اقتصادية واجتماعية قائمة على السيطرة والحرمان، ما يؤثر على قدرة النساء في اتخاذ قرارات تحقق لهن الأمان المادي.

وتُنتج البيئة الاقتصادية والاجتماعية المحيطة باللاجئات السوريات أشكالًا متعددة من العنف، تجعل النساء عالقات بين التبعية داخل الأسرة والاستغلال في سوق العمل، نتيجة ضعف إتقان اللغة، وانتشار العمل غير الرسمي، وتعقيد إجراءات تصاريح العمل، وغياب المعرفة بالحقوق القانونية. وتتفاقم هذه التحديات بفعل الأدوار الجندرية التقليدية التي تضع مسؤوليات الرعاية والأعباء المنزلية على عاتق النساء وحدهن، ما يحدّ من قدرتهن على العمل بدوام كامل أو السعي لفرص أفضل.

تعمل آلاف السوريات في تركيا ضمن سوق يغلب عليه الطابع غير الرسمي، في ظل فجوة واضحة بين الأرقام الرسمية والواقع الفعلي. فبحسب بيانات وزارة العمل التركية والمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، لم يحصل سوى 108 آلاف سوري على تصاريح عمل حتى عام 2023، لا تتجاوز النساء منهن 6%، أي نحو 6,500 امرأة فقط يعملن بشكل رسمي. لكن هذا الرقم لا يعكس الواقع، إذ تشير تقديرات منظمات العمل الدولية إلى أن أكثر من 90% من السوريين يعملون دون تصريح، ما يعني أن العدد الحقيقي للسوريات العاملات في المصانع الصغيرة، والزراعة، والخياطة، والأعمال المنزلية، قد يصل إلى 60–80 ألف امرأة. وفي موازاة ذلك، تكشف تقارير UNHCR وخطة الاستجابة الإقليمية RP3 أن 22% إلى 30% من الأسر السورية في تركيا تعيلها نساء، ما يجعل مشاركة السوريات في سوق العمل ضرورة معيشية لا خيارًا، ويضعهن في مواجهة مباشرة مع ظروف عمل قاسية وغير محمية.

كما تواجه السوريات تمييزًا مزدوجًا قائمًا على النوع الاجتماعي والهوية كلاجئات، إذ يُنظر إليهن كعمالة رخيصة بلا حقوق قانونية، تقبل بشروط عمل مجحفة أو أجور متدنية مقارنة بالرجال، 

تُظهر بيانات البنك الدولي أن النساء عالميًا يحصلن على ثلثي الحقوق الاقتصادية فقط مقارنة بالرجال، ما ينعكس على قدرتهن على الوصول إلى التمويل وفرص العمل. كما تؤكد تقارير المفوضية السامية لحقوق الإنسان أن زيادة التبعية الاقتصادية وتفاقم عدم المساواة يؤديان إلى تراجع المشاركة الاقتصادية والاجتماعية للنساء وارتفاع معدلات الفقر بينهن.

تمييز يعرقل العدالة

يؤكد المحامي غزوان قرنفل أن ما تتعرض له بعض اللاجئات السوريات في سوق العمل التركي لا يشكّل «عنفًا اقتصاديًا» ممنهجًا، بل هو استغلال ناتج عن مخالفات قانونية مثل العمل دون عقد، وتشغيل العاملات دون استصدار إذن عمل، ودفع الحد الأدنى من الأجور، وتشغيلهن لساعات تتجاوز الحد القانوني البالغ ثماني ساعات يوميًا دون تعويض. ويشير إلى أن القانون التركي يتيح لأي عاملة سورية تتعرض للاستغلال اللجوء إلى القضاء أسوة بأي مواطن تركي.

ويرى قرنفل أن المشكلة الأساسية لا تتعلق بالقوانين التركية، بل بالعادات الاجتماعية داخل المجتمع السوري، حيث قد تتعرض المرأة للعنف الاقتصادي داخل الأسرة عبر السيطرة على دخلها أو حرمانها من العمل، ورغم إمكانية لجوئها للقضاء، إلا أن كثيرات يتجنبن ذلك بسبب تبعاته الأسرية. ويخلص إلى أن الإطار القانوني التركي يضمن حماية كاملة للنساء، سواء كان المنتهك صاحب العمل أو رب الأسرة.

من جهتها، توضح المستشارة القانونية آية الشيخ علي أن العنف الاقتصادي يشكّل انتهاكًا صريحًا لحقوق الإنسان، لأنه يمسّ حقوقًا أساسية نصّت عليها الاتفاقيات الدولية، وفي مقدمتها العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، إضافة إلى اتفاقية سيداو وإعلان القضاء على العنف ضد المرأة (1993)، التي تُلزم تركيا باتخاذ تدابير فعّالة لحماية النساء من جميع أشكال العنف، بما فيها العنف الاقتصادي.

وتشير الشيخ علي إلى أن هذه الالتزامات الدولية تنعكس في التشريعات التركية، وعلى رأسها القانون رقم 6284 لحماية الأسرة ومنع العنف ضد المرأة، الذي يتيح إصدار أوامر حماية تمنع الشريك أو أحد أفراد الأسرة من الاستيلاء على دخل المرأة أو ممتلكاتها. كما يتكامل هذا القانون مع قانون العمل رقم 4857، وقانون الضمان الاجتماعي رقم 5510، إضافة إلى قانون الأجانب والحماية الدولية رقم 6458 الذي يمنح اللاجئات السوريات حق التقدم للحصول على إذن عمل واللجوء إلى القضاء عند تعرضهن لأي انتهاك.

وبذلك، تؤكد المستشارة أن الإطارين الدولي والتركي يوفّران أساسًا قانونيًا قويًا لحماية النساء من العنف الاقتصادي، سواء داخل الأسرة أو في سوق العمل، وأن هذه الحماية تشمل النساء السوريات اللاجئات على قدم المساواة مع غيرهن.

 هشاشة تتعمّق تحت ضغط الحاجة

تقول مروة (45 عامًا) في حديث خاص إلى سيريا برس، إن الركض وراء لقمة العيش أنهكها، وجعلها تعاني من أمراض نفسية وجسدية خلال السنوات العشر التي قضتها في إسطنبول. فالشعور بعدم الاكتفاء المالي والخوف من فقدان العمل يلازمانها دائمًا، لأن ذلك يعني عجزها عن دفع إيجار المنزل أو تأمين الطعام لأطفالها الثلاثة.

تعمل مروة في مطعم شاورما من الساعة الحادية عشرة صباحًا حتى منتصف الليل في معظم الأيام، وتتلخص مهامها في التنظيف والجلي، ما تسبب لها بآلام في الظهر واليدين، إضافة إلى أمراض جلدية بسبب مواد التنظيف. صاحب العمل يدفع لها راتبًا مقطوعًا بغض النظر عن ساعات العمل، و دون عقد ينظم العلاقة بينهما. وقد تم الاستغناء عن خدماتها سابقًا في عدة أعمال دون إنذار، ما جعلها في خوف دائم ودفعها للتنازل عن أبسط حقوقها.

يقول الأخصائي النفسي باسل نمرة إن الأمان الاقتصادي يعدّ أحد أهم العوامل المؤثرة في الاستقرار النفسي. وبالنسبة للاجئات السوريات، فإن كثيرات بدأن حياتهن في تركيا دون معيل؛ بعضهن فقدن أزواجهن خلال الحرب، وأخريات تُركن بانتظار لمّ شمل لم يتحقق، ما اضطرهن لتحمّل المسؤولية الكاملة تجاه أنفسهن وأطفالهن. هذا الواقع خلق ضغوطًا كبيرة انعكست على صحتهن النفسية، بدءًا من القلق والتوتر وصولًا إلى اضطراب التكيف، الذي قد يتطور إلى الاكتئاب.

ويشير نمرة إلى أن العنف الاقتصادي يفاقم الاضطرابات النفسية السابقة، مثل اضطراب ما بعد الصدمة، إذ تعيد الضغوط المالية والاجتماعية فتح الجروح النفسية التي بدأت المرأة بالتعافي منها. فالضغط الاقتصادي المستمر يضعف قدرتها على التكيف، ويعيد تنشيط مشاعر الخوف والعجز المرتبطة بتجارب الحرب والنزوح.

أما في سوق العمل، فيوضح نمرة أن العنف الاقتصادي يخلّف آثارًا قاسية على اللاجئات، إذ تجد المرأة نفسها مضطرة للعمل لساعات طويلة قد تصل إلى 12 ساعة يوميًا، وفي بيئات غير مناسبة أو غير صحية. هذا الاستنزاف الجسدي والنفسي يترك آثارًا عميقة، لكنه في الوقت نفسه واقع تضطر المرأة إلى قبوله لتأمين احتياجاتها الأساسية. ومع تراكم الضغوط، قد يتولد لدى بعض النساء شعور بالغضب تجاه المجتمع أو تجاه من ساهم في وضعهن الحالي، ما قد يحولهن إلى مصدر للعنف تجاه أنفسهن أو أسرهن.

ويؤكد نمرة أن البرامج النفسية والاجتماعية يمكن أن تلعب دورًا مهمًا في دعم النساء، من خلال ترميم الفجوات النفسية الناتجة عن الصدمات، ووضع خطط علاجية مبنية على تقييم علمي دقيق. كما أن دمج برامج بناء الشخصية وتنمية القدرات ضمن الدعم النفسي يساعد المرأة على تحسين وضعها الاقتصادي، وبالتالي استعادة شعورها بالسيطرة على حياتها والوصول إلى قدر أكبر من الأمان.

مستقبل اقتصادي آمن للنساء

 يتغلغل العنف الاقتصادي في حياة كثير من السوريات في تركيا، فيقيّد خياراتهن ويعمّق هشاشتهن اليومية. ورغم أن القوانين التركية تمنح النساء حقوقًا واضحة في العمل والحماية من العنف، فإن هذه الحقوق تبقى بعيدة المنال بسبب ضعف المعرفة القانونية وصعوبة الوصول إلى العدالة وتكاليفها. وهكذا تتسع الفجوة بين النصوص القانونية وتطبيقها، لتبقي النساء عالقات في واقع يعيد إنتاج التبعية ويحدّ من قدرتهن على بناء استقلال اقتصادي.

ومع ذلك، يبقى الحد من هذا العنف ممكنًا عبر تعزيز الوعي القانوني، وتوسيع فرص التدريب والعمل الرسمي، ودعم برامج التمكين الاقتصادي والخدمات الاجتماعية التي تخفف الأعباء عن النساء العاملات. كما أن دمج الدعم النفسي مع الاقتصادي يساعد في تجاوز آثار الصدمات وبناء قدرة ذاتية على مواجهة الضغوط. ويبقى تغيير السلوكيات الاجتماعية داخل المجتمع السوري خطوة أساسية لاستعادة حق المرأة في مواردها واستقلالها المالي، وبناء بيئة أكثر عدلًا تتيح لها حياة كريمة وآمنة.

غصون أبو الذهب _سيريا برس

«تم إنتاج هذه المادة الصحفية بدعم من “صحفيون من أجل حقوق الإنسان – JHR”»

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا