غصون أبو الذهب _ سيريا برس
تتهاوى آمال اللاجئين السوريين في هولندا بقبول طلبات لجوئهم بعد انتظار دام سنوات، ويهيمن اليأس على أغلبهم بعد موجة الرفض التي بلغت وفق منصة “RefugeeHelp” نحو 75% من طلبات اللجوء التي جرى البتّ فيها في الفترة الأخيرة. يأتي ذلك رغم تصنيف سوريا كواحدة من أقل البلدان سلامًا في العالم. وقد أصبح تراجع طلبات اللجوء السورية في هولندا خلال عامَي 2025–2026 أحد أبرز التحولات في ملف الهجرة، مدفوعًا بتغيرات سياسية داخل سوريا وتعديلات في سياسات اللجوء الهولندية. وتشير البيانات الرسمية وتقارير وزارة الخارجية الهولندية إلى صورة مركّبة: انخفاض في الأعداد، واستمرار المخاوف الأمنية، وتضييق في الموافقة على الطلبات.
تقدمت سمر بطلب لجوء في هولندا في الشهر الثاني من عام 2024، بعد أن باعت منزلها في مدينة حمص وهربت من قصف النظام السوري، وخاضت رحلة طويلة في قوارب الموت حتى وصلت إلى هولندا، على أمل أن تتمكن من لمّ شمل وحيدها وزوجها. ما تزال سمر تنتظر النظر في طلبها. وقالت في حديث خاص إلى سيريا برس:
«شعور اليأس والغضب يتملكني بعد معاناتي تحت القصف ورحلة اللجوء القاسية، وصولًا إلى إقامتي الطويلة والصعبة في مركز اللجوء. لا أفهم كيف تُصنَّف سوريا كدولة غير آمنة ويطلبون منا العودة».
تشهد هولندا منذ مطلع عام 2025 تحولًا لافتًا في ملف اللجوء السوري، مع تشديد ملحوظ في تقييمات الحماية استنادًا إلى تقارير وزارة الخارجية الهولندية حول الوضع الأمني في سوريا. ويواجه طالبو اللجوء من السوريين واقعًا قانونيًا واجتماعيًا أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.
سجّلت هولندا في مارس 2025 نحو 195 طلب لجوء سوري فقط، وهو أدنى رقم منذ منتصف عام 2020. ويعكس هذا الانخفاض تغيرات سياسية داخل سوريا بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024، إضافة إلى تشديد السياسات الأوروبية تجاه الهجرة.
تشير البيانات الرسمية إلى أن الأشهر التسعة الأولى من عام 2025 شهدت 16.6 ألف طلب لجوء أولي لجميع الجنسيات، بانخفاض يقارب 33% عن العام السابق. وفي الربع الأول من العام نفسه، تراجع العدد إلى 4,500 طلب فقط، أي نصف ما كان عليه في الفترة ذاتها من عام 2024، وكان السوريون العامل الأكبر في هذا الانخفاض.
تقارير الخارجية الهولندية تعيد رسم حدود الحماية
أصبحت تقارير وزارة الخارجية الهولندية حول الوضع في سوريا المرجع الأساسي في تقييم طلبات اللجوء. وبعد جدل واسع، أُجبرت الحكومة على نشر أحدث تقرير بعد حكم قضائي، ما أتاح للمنظمات الحقوقية والمحامين الاطلاع على الأسس التي تُبنى عليها قرارات الرفض أو القبول
ويصف التقرير الأخير سوريا بأنها تعيش حالة «هشاشة وعدم استقرار وتقلب»، مع استمرار العنف في عدة مناطق، ما يجعل تقييم العودة الآمنة أمرًا بالغ التعقيد.
ويؤكد التقرير الصادر في فبراير/شباط 2026 أن السيطرة في سوريا تتوزع بين عدة قوى عسكرية وإدارية، ولا تخضع البلاد لسلطة مركزية واحدة. كما يشير إلى أن الوضع الأمني غير مستقر وخطير، مع تصاعد العنف الطائفي في عدد من المحافظات. وذكر التقرير مقتل 3666 مدنيًا في سوريا عام 2025، من بينهم 328 طفلًا و312 امرأة، إضافة إلى 32 شخصًا قُتلوا تحت التعذيب. كما وثّق 1108 حالات اعتقال أو احتجاز تعسفي في العام نفسه، وفق الشبكة السورية لحقوق الإنسان.
وأوضح التقرير أن هناك تهديدات عديدة تواجه العائدين، منها انتشار مشاعر الانتقام داخل المجتمع، ما يرفع مخاطر العنف الأهلي، واستمرار العنف الموجّه ضد الأقليات، وتصاعد هجمات تنظيم داعش، وتسجيل عدة ضربات عابرة للحدود، إضافة إلى ضعف سيادة القانون، وتكرار حالات الاعتقال التعسفي والقتل تحت التعذيب في مراكز الاحتجاز، ومحدودية الحماية القانونية.
تأثير هذه التقارير على طالبي اللجوء السوريين
انتظر حسام بلهفة تقرير الخارجية الهولندية المتعلق بسوريا، على أمل أن يُقبل طلب لجوئه، لكن سرعان ما تبددت آماله مع تشابه التقرير الجديد مع سابقه، وتداول الأخبار بأن قرارات الرفض تُتخذ بغضّ النظر عن الانتماء أو الطائفة أو القومية أو المدينة التي ينحدر منها طالب اللجوء. هذه الحالة من التخبط والانتظار الطويل في مراكز اللجوء جعلت آلاف اللاجئين السوريين – بحسب حسام – يشعرون بالغضب الممزوج بالمرارة، فسنوات من أعمارهم ضاعت بسبب سياسات اللجوء واستغلال هذا الملف وتحويله من قضية إنسانية إلى سياسية.
ينتظر نحو 19 ألف سوري قرارًا بشأن طلبات لجوئهم. ورغم أن تقرير الخارجية الهولندية خلص إلى استمرار وجود مخاطر تحول دون العودة الآمنة والطوعية إلى سوريا، فإن معظم طلبات اللجوء جرى رفضها، مع تشديد كبير في تقييم الملفات واعتماد وزارة اللجوء والهجرة معايير أكثر دقة. وهكذا يجد السوريون أنفسهم أمام واقع مزدوج: بيئة قانونية أكثر صرامة، و وطن غير آمن لمواطنيه. وبين هذين الواقعين، يبقى مستقبل آلاف السوريين معلّقًا على تطورات سياسية وأمنية لا يمكن التنبؤ بها.
