تسبب الهجوم التركي على ميليشيات حزب العمال الكردستاني في سورية بغضب الدول الأوروبية وخشيتها من أن يؤدي ذلك لوصول موجة جديدة من المتشددين لكن الدول الأوروبية تسابق الزمن للخروج برد فعل محكم اضافة لرفضها لتقديم المساعدة المالية لأي أزمة إنسانية جديدة قد تستجد على حدودهم , وطالب الأعضاء الخمسة الأوروبيون في مجلس الأمن الدولي في بيان الخميس ، “تركيا بوقف عملها العسكري الأحادي الجانب”، اثر اجتماع طارئ ومغلق في نيويورك ، في وقت طلبت فرنسا الخميس عقد اجتماع طارئ للتحالف الدولي، في ظل تخوّف أوروبي من أن ينعش الهجوم تنظيم “داعش” المتطرف.
ووجهت عدة دول أوروبية الانتقادات الشديدة لعملية “نبع السلام” التي تشنها تركيا في شرق نهر الفرات. واعقبها استدعاء سفراء تركيا لديها لاسيما فرنسا وبلجيكا ، للاحتجاج والمطالبة بوقف العملية , وقالت أنقرة إنها تعتزم إقامة ”منطقة آمنة“ لإعادة ملايين اللاجئين الذين تستضيفهم لبلادهم وهو ما تريد أن تدفع أوروبا تكلفته وهي خطة قال دبلوماسيون أوروبيون إنها غير واقعية , ورفضت حكومات كل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي تلك الخطط يوم الأربعاء وقالت إنها لن تقدم مساعدات , وعبر رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر عن ذلك صراحة وقال “لا تتوقعوا أن يدفع الاتحاد الأوروبي لأي من ذلك”
وكشفت ردة فعل دول الاتحاد الأوربي ضعفها وعجز أوربا في التأثير على مسار الصراع في سورية , ويقول دبلوماسيون ومسؤولون إن الهجوم التركي ، الذي بدأ بعد أن سحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قوات بلاده من طريقه ، يثير تساؤلات أساسية عن مصير علاقة تركيا بالاتحاد الأوروبي كما يضيف توترا إضافيا على العلاقات عبر الأطلسي بما يشمل الثقة بين الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي , كما يُعقد الهجوم من فرص نجاح احتمالات انضمام أنقرة للاتحاد الأوروبي ويهدد بانهيار اتفاق لكبح تدفق المهاجرين بين تركيا والتكتل أدى لخفض حاد في أعداد اللاجئين الوافدين لدول الاتحاد لكنه يتعرض لضغوط متواصلة بسبب محاولة لاجئين جدد الوصول للأراضي الأوروبية.
وقال دبلوماسي أوروبي كبير ”هذه وصفة لكارثة… بالنسبة للأتراك أو الأكراد أو لنا… هذا التدخل التركي تشتيت كامل سيتسبب في فتح صندوق باندورا“ في إشارة لتعقيد المشكلات القائمة , لم يتضح ما الذي يمكن لأوروبا أن تفعله للضغط على أنقرة. يعتمد التكتل على تركيا في كبح تدفق اللاجئين لدوله بعد اتفاق في 2016 لإغلاق طريق للهجرة غير المشروعة عبر بحر إيجة عقب وصول أكثر من مليون لاجئ لدول الاتحاد الأوروبي , وعادت أعداد من يصلون إلى أوروبا للزيادة بالتزامن مع تهديد تركي ”بفتح الأبواب“ للسماح لمن هم على أراضيها بالفعل بالتوجه لأوروبا إذا لم تتلق دعما لخططها. وتستضيف تركيا نحو 3.6 مليون لاجئ سوري.
وقال دبلوماسي أوروبي عن اتفاق كبح الهجرة المبرم في 2016 ”نحتاج لترتيب بيتنا من الداخل. لم يتم التوصل لحل جماعي لمشكلة اللاجئين ولذلك نجد أنفسنا معرضون لمثل هذا الابتزاز“ , وأشار دبلوماسيون إلى أن اجتماعا مغلقا عقد يوم الثلاثاء وأبدى فيه مبعوثو حلف شمال الأطلسي القلق من خطط تركيا وسعوا للضغط على أردوغان لعدم المضي قدما في أي عملية عسكرية , لكن سادت قناعة أيضا بأنه ليس هناك ما يمكن فعله لوقف تركيا لأن الحلف ليس نشطا في سورية ولا يوجد طلب لدور له هناك , ويشكل مصير ميليشيات حزب العمال الكردستاني في سورية ملفا ملحا إضافة لاحتمال عودة تنظيم “داعش” للظهور وهي مسألة حساسة بالنسبة لدول الاتحاد بعد وقوع العديد من الهجمات الدموية على أراضيها.
وتعمل قوات خاصة فرنسية وبريطانية مع ميليشيات “الكردستاني” في المنطقة ويدعم جيشا الدولتين هذه الميليشيات من خلال طلعات جوية وتدريب عناصرها حتى بدء الهجوم التركي ، وتسبب قرار ترامب سحب القوات الأمريكية في إضعاف موقف بريطانيا وفرنسا بشكل خاص على الرغم من أنه لم يكن قرارا مفاجئا , واعترف مسؤولون فرنسيون وبريطانيون بأن انسحابا أمريكيا كاملا لن يترك لديهم خيارا سوى الانسحاب أيضا , وقال جيرار أرو السفير الفرنسي السابق في واشنطن على تويتر “خيانة الأكراد ستكون أمرا مروعا أخلاقيا لكن دعونا لا نخدع أنفسنا : بوجود القوات المتحالفة في شمال سورية أو في غيابها ليس لدى الولايات المتحدة وأوروبا أي سياسة محددة وذات مصداقية لإنهاء الحرب الأهلية السورية”
وتتركز المخاوف الأوروبية المباشرة على عودة المسلحين المتشددين لتنظيم صفوفهم لكن هناك أيضا خطر فرار آلاف المقاتلين الأجانب الذين تحتجزهم ميليشيات “الكردستاني” من سجونها , ولم يقدم رد فعل ترامب ما يهدئ مخاوف حلفائه. وسبق أن حث ترامب الدول الأوروبية المترددة على استعادة مواطنيها من بين مقاتلي “داعش” الذين أسروا في أرض المعركة في سورية , وقال ترامب للصحفيين ”سيهربون إلى أوروبا… هذه هي الوجهة التي يريدون الذهاب إليها. يريدون العودة لديارهم لكن أوروبا لا تريدهم“ , ولخص وزير خارجية جمهورية التشيك توماس بيتريسيك الإحباط الأوروبي بالقول ”للأسف… في تلك المرحلة لا نملك أي خيار سوى الضغط الدبلوماسي لتهدئة الموقف“.
وفي تصريح سابق أعرب الاتحاد الاوروبي عن معارضته أي هجوم تركي لأن استئناف الأعمال القتالية “سيقوض الجهود المبذولة لحل النزاع” في سورية ، وفق المتحدثة باسم الديبلوماسية الأوروبية. وقالت مايا كوتشيانيتش المتحدثة باسم فيديريكا موغيريني “أي استئناف للمعارك سيزيد من معاناة الشعب السوري ويسبب نزوحا للسكان ويقوض الجهود السياسية لحل هذا النزاع” , وأضافت في بيان “في ضوء التصريحات الصادرة عن تركيا والولايات المتحدة بخصوص تطورات الوضع ، يمكننا التأكيد على أنه ، في الوقت الذي نعترف فيه بمخاوف تركيا المشروعة ، فإن الاتحاد الأوروبي قال منذ البداية انه لن يتم التوصل إلى وضع مستدام بالوسائل العسكرية”
من جانبه قال متحدث باسم رئيس وزراء بريطانيا بوريس جونسون يوم الثلاثاء إن بلاده قلقة للغاية من خطط تركيا للقيام بعملية عسكرية في شمال سورية , وكانت تركيا قالت إنها أتمت استعداداتها لعملية عسكرية في شمال شرق سورية بعد أن بدأت الولايات المتحدة في سحب قوات لها هناك مما يمهد الطريق أمام هجوم تركي على ميليشيات “الكردستاني” والمتحالفة منذ وقت طويل مع واشنطن , وحين سئل عن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن بريطانيا ”سعيدة جدا“ بالتحول في سياسته بشأن سورية ، قال المتحدث باسم جونسون إن تحركات القوات الأمريكية مسألة تخص الولايات المتحدة.

















